فولفجانج مونشاو
إذا كان من المفترض أن يكون هذا هو التحدّي للعقيدة الاقتصادية الألمانية، فقد باء بالفشل. التسويات التي تم التوصل إليها في بروكسل لتمديد عملية إنقاذ اليونان لم تكُن الصفقة التي كانت تسعى إليها حكومة حزب سيريزا الجديدة. لقد كان موقفها التفاوضي ضعيفاً لسببين. قام أصحاب الودائع اليونانيون، يوم الجمعة، بنقل أكثر من مليار يورو من الودائع المصرفية إلى الخارج. والنظام المصرفي كان لينهار في غضون أيام دون عملية التمديد. وأثينا لم تكُن لديها أية خطة للخروج من اليورو. ولم يكُن لديها أي خيار سوى عقد صفقة هيمن فيها الألمان على جميع المسائل الجوهرية علاوة على ذلك، الصفقة سارية المفعول لمدة أربعة أشهر فقط – لقد حان الوقت للاستعداد من أجل المعركة الأكثر أهمية: تحديد المسار طويل الأجل للوضع المالي في اليونان. بموجب اتفاقيتها القديمة مع الدائنين، كان من المفترض أن تشغل أثينا فائض ميزانية أولي – قبل دفع الفوائد على ديونها – يبلغ 3 في المائة هذا العام، و4.5 في المائة عام 2016. الاتحاد الأوروبي يريد أن تقلص اليونان ديونها البالغة حالياً 175 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، إلى 110 في المائة بحلول عام 2022.
التاريخ الاقتصادي يخبرنا أن التعديلات التي بهذا الحجم لا تنجح لأن الناخبين لا يدعمونها. واحد من مطالب حزب سيريزا الرئيسية قبل الانتخابات كان عقد مؤتمر للديون تتفق خلاله اليونان ودائنوها على “عملية تخفيض ديون” رسمية – تقليص القيمة الاسمية للديون المُستحقة – للسماح للبلاد بأن تبقى في منطقة اليورو. وكلما انخفض مستوى الديون، انخفض الفائض الأولي المطلوب لتحقيق أي هدف ديون معين.
بالنسبة للدائنين هذا الطلب كان من المحرّمات المُطلقة. استراتيجيتهم المفضلة هي تمديد القروض، وتخفيض أسعار الفائدة على القروض اليونانية، والتظاهر بأن البلاد لا تزال قادرة على السداد. عندها يُصبح السؤال كالتالي: ما هو المدى الذي يمكن أن تقطعه في هذا الاتجاه لجعل الفائض الأولي المطلوب أكثر احتمالاً؟
يرغب اليونانيون في تشغيل فائض أولي يبلغ 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي من الآن – الأمر الذي يبدو معقولاً، نظراً لحالة اقتصادهم. دعونا نقول إنهم قبلوا بنسبة 2 في المائة. والآن فكّروا في الفائض الأولي باعتباره الأموال التي تملكها البلاد لخدمة الديون وسدادها. في الوقت الحاضر اليونان لا تدفع أي فوائد على الإطلاق على قروضها من الدائنين الأوروبيين ـ ليس من المفترض أن يبدأ هذا حتى عام 2023. والسبب في مطالبة الدائنين اليونان بتحقيق فائض أولي كبير هو إفساح المجال لدفعات الفائدة التي ستبدأ في ذلك الحين. بالتالي، مستوى الديون يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالفوائض التي تحتاج اليونان إلى تحقيقها. فهي ليست متغيرات مستقلة يمكنك تعديلها حسب الطلب. لقد أخبرني أحد المسؤولين الألمان أنه لتبرير أي تخفيض في الفائض الأولي بالقدر الكبير الذي تريده أثينا، قد تحتاج أيضاً إلى عملية تخفيض للديون. وبما أن الألمان يعارضون عملية تخفيض الديون، سيعارضون كذلك تخفيض الفائض الأولي. لذلك هناك معركة كبيرة مقبلة بسبب هذا – أكبر بكثير من أي شيء شهدناه الأسبوع الماضي.
الأمر الذي على المحك بالنسبة لليونان الآن هو قدرتها الفعلية على النجاة اقتصادياً. وهذا قد يتطلب الخروج من الحلقة المُفرغة بين الديون والانكماش التي كانت عالقة فيها خلال الأعوام الخمسة الماضية. أحد الحلول المتطرفة لمشكلة الديون والانكماش ستكون خروج اليونان من اليورو. هذا من شأنه أن يكون مُكلفاً جداً في البداية، لكنه سيسمح لليونان بالعجز عن السداد لدائنيها الرسميين، وتخفيض قيمة عملتها، وتشغيل فوائض أولية أقل بكثير من تلك المطلوبة الآن.
هناك حل أقل خطورة، وأقل تكلفة، قد يكون إعادة هيكلة الديون داخل منطقة اليورو؛ ليس تخفيضاً صريحاً للديون لكن شيئاً من هذا القبيل. كذلك ما يُعادل مبادلة الديون مقابل الأسهم سيادياً قد يكون أحد الخيارات. وفي حين لا يمكنك امتلاك أسهم في إحدى البلدان، بإمكانك مثلا، ربط سعر الفائدة على السندات السيادية مباشرة بالناتج المحلي الإجمالي. لكن السندات المرتبطة بالناتج المحلي الإجمالي ليست سحرية، ولا سيما لأنها ستمنح حافزاً للبلدان لتخفيض أرقام الناتج المحلي الإجمالي الفعلية.
هناك خيار آخر قد يكون الالتزام بالسندات التي تملك بعض خصائص المال – عملة موازية. وهذه يمكن استخدامها وسيلة للصرف، لكن ليس بالضرورة كوحدة للحساب. كما سيبقى التعبير عن قيمتها باليورو.
كذلك هناك مجال للحلول المبتكرة. الخيارات ليست ثنائية كما هو الحال بالنسبة للتقشف الذي فرضته ألمانيا مقابل خروج اليونان من اليورو. وتوجد أيضا خيارات متوسطة متفوقة بالنسبة للاثنين. الخيار الأذكى ربما يكون الجمع بين عدد من الأدوات – تخفيض الديون، والسندات المرتبطة بالناتج المحلي الإجمالي، وتمديد تواريخ الاستحقاق، وتخفيض أسعار الفائدة – والأمل أن التأثير الشامل سيكون كافياً للسماح لليونان بتشغيل فوائض أولية أقل بشكل دائم.
هذا ما ستتم مناقشته في المفاوضات المقبلة. وحتى تزدهر اليونان في منطقة اليورو، يتطلب ذلك تحوّلاً في التفكير بين دائنيها يتجاوز درجة المرونة الهامشية التي كانوا على استعداد للموافقة عليها الأسبوع الماضي. لقد كان أفلاطون هو من ذكر في محاورته “القوانين” أن رجل الدولة من المرجح أن يفشل إذا كان يقوم بتشريع القوانين من أجل السلام فقط. رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس ووزير ماليته ينبغي أن يتبعا هذه النصيحة. فهما سيحتاجان إلى خطة احتياطية مُعدّة بالكامل للإشارة إلى شركائهما أن اليونان عازمة على تحقيق الاستدامة – داخل أو خارج منطقة اليورو – مهما تطلب الأمر.

