Feature

عطيل الجفال
ليس مصادفة أن يقدم تنظيم “داعش” في ليبيا على إعدام 21 قبطيا مصريا بصورة بشعة بالتزامن مع إنعقاد جلسة الحوار الوطني بإشراف المبعوث الاممي برنادينو ليون، بين المؤتمر الوطني العام في طرابلس والبرلمان المنتخب المتواجد في طبرق، وهما أهم المكونات السياسية الليبية ويتمحور حولهما عدد من الاحزاب والشخصيات الليبية، إضافة الى ان لكل منهما حكومته وذراعه العسكرية المؤثرة في سير العمليات داخل الميدان، إذ تمثل قوات الجنرال خليفة حفتر الذراع العسكرية لحكومة عبد الله الثني المنبثقة عن البرلمان والتي تحظى باعتراف عربي ودولي كبيرين، فيما تمثل قوات فجر ليبيا الجناح العسكري لحكومة عمر الحاسي المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام تحت مسمى حكومة الانقاذ الوطني.  وبقدر ما تمثل عملية قتل المصريين الاقباط فخا لسحب الجيش المصري نحو معارك خارجية على الارض الليبية من أجل تخفيف الضغط على التنظيمات الارهابية في الداخل المصري ولاسيما في سيناء من جانب، وخلق التفاف جماهيري ليبي حول تنظيم “داعش” لمواجهة التدخل الخارجي المصري في الشأن الليبي من جانب آخر، وهو ما يعزز موقف التنظيم باعتباره رقما صعبا لا يمكن تجاوزه في المفاوضات الجارية، بقدر ما يمثل تحديا للأمن القومي المصري في لحظة حرجة من صيرورة نظام الرئيس السيسي ومحاولة للمس بالسيادة المصرية وإن كانت على أرض خارج مصر. 
وفي هذا الاطار يرى الباحث بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى هارون زيلين أن التدخل العسكري المصري قد ينظر إليه تنظيم “داعش” على أنه إنجاز كبير له وهدف في حد ذاته، لأنه يورط مصر في أكثر من مواجهة عسكرية في آن واحد، سواء في سيناء أو في ليبيا، وقد يعطي التدخل المصري في ليبيا مبررات لهجمات انتقامية داخل مصر ينفذها التنظيم الذي قد يسهل عليه اختراق الحدود الصحراوية الطويلة بين مصر وليبيا.ليبيا تحولت الى ساحة تصفية حسابات دولية واقليمية، مثلما كان الوضع في لبنان لسنوات طويلة على حد تعبير ممثل الطوارق في الحوار الوطني الليبي موسى الكوني الذي يؤكد ان “مشكلة الارهاب في ليبيا ليست ليبية على الاطلاق لأن الارهاب المتواجد على أراضينا هو إرهاب مصدر لنا، ونحن اليوم لا نزال نعاني من التدخل الفرنسي في مالي (قبل عامين) الذي حول وجهة ارهابيين ماليين من مالي الى ليبيا”.
لم يتوقف الانقسام عند حكومتي وبرلماني طبرق وطرابلس، بل تعداهما ليصبح انقساما واضحا في الموقف العربي والدولي من الأزمة الليبية. المجموعة العربية التي قدمت طلبا لمجلس الأمن عن طريق الاردن حول رفع الحظر عن تسليح الجيش الليبي الذي كان المجلس قد اتخذه ضد النظام الليبي في بداية الانتفاضة الليبية، لم يحظ بموافقة كل من قطر والجزائر، كما انه لم يحظ بموافقة دول غربية بمقدمتها الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا، في حين كان الموقف الروسي متأرجحا أمام موقف صيني داعم للطلب.
رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني الذي يؤكد أن الحوار وتشكيل حكومة وطنية لا تنتمي لقوى سياسية هو السبيل لحل الأزمة في ليبيا، بشرط الاعتراف الكامل بالبرلمان الليبي، ونبذ العنف، ومحاربة الإرهاب يتهم تركيا بشكل مباشر وكل من قطر والجزائر بشكل غير مباشر بدعم الارهاب في ليبيا، حيث يقول أن هناك دولا عربية بعينها تقوم بعرقلة المسار الديمقراطي والشرعي وكذلك محاربة الإرهاب في ليبيا بدعمها للجماعات المسلحة، ومعروف ان قطر كانت قد تحفظت على الضربة الجوية المصرية، في حين يعتبر الثني أن مصر وليبيا في خندق واحد لمحاربة الإرهاب.اما الموقف الروسي فقد أعلنته، على غير العادة، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فدريكا موغريني، حين صرحت انها اتفقت مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف على دعم المحاولة الدبلوماسية الأخيرة في ليبيا، على عكس الموقف الصيني الذي أكده وزير الخارجية الصيني وانج اي بوصف الوضع في ليبيا بأنه خطر جدا مُحمّلا أطرافا غربية المسؤولية عن تدهور الأوضاع في ليبيا وانتشار الفوضى، مجددا دعم بيكين لمشروع القرار العربي ومراعاة الشواغل المصرية واحترامها لقرار مجلس الجامعة العربية الأخير بشأن ليبيا.
أمام هذه الضبابية في الموقفين الداخلي والخارجي من الازمة الليبية، يتمدد تنظيم “داعش” على طول الساحل الليبي الممتد على البحر الابيض المتوسط لمسافة تزيد على 1955 كم بدءا من مدينة درنة في أقصى الجنوب مرورا ببنغازي التي سيطر على مساحات منها ومدينة سرت في منتصف تلك المساحة الساحلية وصولا الى العاصمة طرابلس التي بدأ يقضم مساحات واسعة منها بعيدا عن ضجيج الاعلام.وإذا ما استمر الموقف الدولي والاقليمي المتأرجح من الازمة، فان تنظيم “داعش” قد يسيطر على مساحات واسعة من ليبيا تمهيدا لاجتياح كل من تونس والجزائر، لينطلق في رحلة خراب جديدة في المغرب العربي وشمال افريقيا، بعد أن أتم التنظيم رحلة خرابه في كل من العراق وسوريا.  

التعليقات معطلة