منى فضل الله
مر الواقع العربي في خضم مرحلة من الاضطراب والفوضى التي انتشرت في عدد كبير من دوله، حيث تمتدّ من سوريا الى العراق ومصر وليبيا واليمن، من دون أن تبدو في الأفق بشائر نهاية واضحة. وتشكّل جماعات التكفير عاملاً مشتركاً في مختلف هذه الساحات، حيث تنطلق من إيديولوجيا تكفيرية مغلقة، لتمارس أقصى درجات العنف المتفلت من أي قيود او ضوابط إنسانية وأخلاقية، حتى باتت تتفنن في عمليات القتل وقطع الرؤوس وصولاً إلى الحرق، ما يشكل صدمة عنيفة للوعي والشعور الإنساني، ومحاولة تسعى من خلالها للترويع في إطار من الحرب النفسية التي تمارسها ضد كل من يختلف معها.
ولا يقتصر فعل هذه الجماعات على ممارسة القتل، بل تقوم، خدمة لسياستها، باستخدام احدث التقنيات الاعلامية من اجل تصوير هذه العمليات ونشرها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما يحقق لها ما تصبو اليه من ترويع، ويُبرز ذلك خطورة استخدامها للإعلام في خدمة استراتيجيتها العنفية.
وان كانت الجماعات انتقلت بالعنف الى مستويات غير مسبوقة، الا ان ذلك لا يعني انها المصدر الوحيد للعنف، حيث يحفل عالمنا بالحروب والنزاعات، ويكثر الحديث عن مصطلح العنف وكيفية السيطرة عليه على مختلف المستويات، يمثل ما يُتداول العنف الأسري وعنف الألعاب الالكترونية وسائر أنواع العنف التي يسهم الإعلام في انتشارها. فهو مؤسسة تبدو بديلاً عن مُجمَل السلطات، حيث لا استمرار لأي سلطة من دون رعايته وحضوره.
فمثلاً، مفهوم الترفيه الذي يُعتقد أنه لا يتصل من قريب أو بعيد بالقضايا الجادّة في العالم يعبر عن أيديولوجية مُضمرة. كذلك تأتي الدعاية والإعلان في سياق يهدف إلى الإقناع. حتى الدعاية التجارية لا تُعتبر بريئة إذا ما قورنت بالدعاية السياسية. إذ إنها تدعو إلى تبنّي نمط حياة. فثمّة خطاب مزدوج لها، خطاب ظاهر حول السلعة وخطاب كامن ينقل تصوُّراً معيّناً للحياة. والاعتقاد بخلّوها من الرسائل يزيد من خطورتها، ذلك أن الرسالة تنفذ إلى الذاكرة وتُخزَّن في اللاوعي مباشرة، ويؤدي تسارع الوقائع إلى تلقي الذهن كماً من المادة أكثر مما يستطيع أن يُحلِّل، خصوصاً أن الصورة لا تحتاج إلى فكّ رموزها حتى يتمّ تخزينها كمعنى.
وهذا العمل يمتدّ الى طريقة عمل الخطاب الإعلامي كَكُلّ، وهو يُمثِّل نوعاً من العنف الذي يُعبّر عنه عالم الاجتماع بورديو بالعنف الرمزي.
هذا العنف يستند إلى نظرية إنتاج الإيمان، وإحداث عمل التنشئة الضرورية لِخَلق فاعلين مُزوّدين بمُختزلات إدراك تُتيح لهم إدراك التوصيات المنقوشة في وضع أو في خطاب، وإطاعتها، ويكون من نتائجه تحوير علاقات السيطرة والرضوخ إلى حالات عاطفية، وتحويل السلطة إلى كاريزما. وبالتالي، فإن أي نفوذ يُفلح في فرض دلالات معينة، وفي فرضها بوصفها دلالات شرعية، حاجباً علاقات القوة التي تُؤَصّل قوته، يُضيف إلى علاقات القوة هذه، قوّته الذاتية المخصوصة، أي الطابع الرمزي المخصوص ذاته.فكما نعلم، إن الخطاب كلام يمارس به ما يصرِّح به. وهو سلطة يُمرِّر بها ما يُصمت عنه، الذي هو غاية الخطيب ومراده والنَّاس أطوع للتخييل منهم للتصديق. وهذا الكلام يلتقي مع ما يراه ميشال فوكو، في أن تحليل الفكر يسعى للبحث عن المعنى الحقيقي وراء المعنى المجازي، بحيث يتم العمل للعثور خلف العبارات نفسها على قصدية الذات المتكلمة وعلى نشاطها الواعي. فالنغمة الموسيقية الموافقة للخطاب المسجوع تُوجِّه السامع إلى نظام الكلمات وتصرِفه، وهو ما يسمح للمعنى بالانسياب إلى لا وعيه من دون رقابة. وإذا لم نكن نمتلك الصورة، فإنه من الممكن أن نُثيرها في مخيّلة الجماهير عن طريق الاستخدام الذكي والصائب للكلمات والعبارات المناسبة. فإذا كانت النغمة في الخطاب المسجوع تؤثر في إقناع السامعين، فكيف هو الحال في تتابع الصور والموسيقى، أي في الخطاب الراهن الذي يعتمد على وسائل الإعلام وتقنياته المتطورة، حيث يمتلك هذا الخطاب سلطة لا حصر لها من خلال الصورة التي حلّت حِرَفيّتها محلّ تجريد اللغة، وأصبحت تصوغ المعرفة وتنتج الخطاب وتمرّ عبر الجسم الاجتماعي كله.إن هذا التأثير اللاواعي في السامعين والمشاهدين يمثّل نوعاً من العنف الرمزي من خلال القيام بمهام أيديولوجية من قبل الصورة التي يرسمها الخطاب في مخيّلة السامعين أو من خلال الصورة التي تُبَثّ في وسائل الإعلام مُشكِّلةً ما يُسمّى بثقافة الصورة، من دون تأسيس نُظُم معرفية.
لذلك، عندما يراقب المرء عمل وسائل الاعلام ويجد هذا الضخّ المستمر لأفكار ومفاهيم إنسانية، يلاحظ استنسابية مرتبطة بمعانيها ومفاعيلها على مستوى الضبط والتحكم المرتبط بالعنف الرمزي والإعلام والدعاية السياسية، وهو ما يترجم في حالاته القصوى عنفاً واقعياً محضاً.