التحليل السياسي /غانم عريبي
برهن الامام السيستاني على وعي متقدم في العلاقة بالشعب العراقي والامة والحشد الشعبي والديموقراطية وبناء النظام الوطني ما لم يسبقه إلى تلك الفرضيات السياسية أحد من شيوخ الاسلام.
إن المدنية التي يتحدث عنها خطاب الامام هي المدنية الحديثة ومتابعة بسيطة لوصايا سماحته في خطب صلاة الجمعة تؤكد ان مدنية السيستاني منسجمة ومتماهية مع اعرق المدنيات الديموقراطية والسياسية المعاصرة لكن المشكلة ان السيستاني ليس لديه منبر اعلامي او تلفزيون ناطق باسمه!.
وفي العلاقة بالعمل الجهادي ونهضة العراقيين العسكرية ضد داعش لم يحظ مرجع من المرجعيات الدينية التي تعاطت المسألة الجهادية مع الشعب العراقي بقدر عظيم من الاهتمام وعلى التعاهد في السمع والطاعة لامام الامة واذا كان السيد المرجع محسن الحكيم من المرجعيات الدينية العراقية التي استوعبت امال وطموحات العراقيين في الستينات من القرن الماضي وشاركت في حملة الجهاد عام 1919 وفي انتفاضة العراقيين وثورتهم في العام 1920 الا ان الامام السيستاني بالافق الذي اشتغل عليه والتفاف الامة حول رايته وبالعمليات الجوهرية التي اشتغل عليها في العراق منذ 2003 الى اليوم بما فيها فتواه الشهيرة بتأسيس الحشد الشعبي يمثل المرجعية الاولى في التأسيس للعراق الجديد والاولى في صناعة الحدث التاريخي.
المدنية اذن هي في الاشتغال على نص بناء الدولة التي تتعاطى مستويات الفعل المالي والاقتصادي والعسكري والامني والثقافي والتجاري ونحوه على قدر عال من المسؤولية والحرص والتضامن مع الامة، ومدنية السيستاني قدمت الحرص على «المصالح الفئوية» والمواطنة على الطائفية والانسان على الحجر والبناء والتنمية على عمليات استيعاب التنمية بالمشاريع الباهتة والمنطفأة!.
اعطوني رجلاً سياسياً او قائداً في الدولة العراقية نهض بمسؤولية العمل على تلك المفردات وازاح اللثام عن فدائية العراقيين واستعدادهم للتضحية بالغالي والنفيس من اجل الوحدة الوطنية والسيادة الوطنية مثل الامام السيستاني؛ ومع ذلك هنالك من يتجاوز هذه الشخصية المرجعية ويتجاوز فعلها السياسي والقيادي وياخذ البيعة من ابناء الحشد الشعبي لمرجعيات سياسية ودينية اخرى وكأن المسالة تنافس من اجل رمز او قتال من اجل رجل مع ان الامام منذ ان واكب العملية السياسية في ال2003 الى اليوم لم يعمل الا لمصالح الامة كلها ومصالح العراقيين الوطنية في الحرية والاستقلال الناجز والديموقراطية الكاملة.
كل الاحزاب التقليدية الاسلامية والعلمانية او المدنية والليبرالية تراخت عن العمل وسط الامة ولم تعمل بالشكل الذي يقدمها احزابا قائدة في الامة، والمشكلة ان بعض الاحزاب السياسية الليبرالية والاحزاب الاسلامية جلست في مكاتبها بانتظار ان يقوم الشعب العراقي بمسؤولياته وكانها غير معنية بعمليات التحريض والتعبئة والتثقيف.
لست وكيلاً ولا معتمداً للامام في الكتابة السياسية او الترويج له في هذه الصحيفة او تلك، لكنه الخطاب الوطني والمسؤولية الشرعية التي تلح وتقول وتؤكد علينا ضرورة الفرز بين الرجعي الحقيقي والتقدمي الحقيقي مع ان احزابا عراقية ماركسية واسلامية وليبرالية تاسست في اطار هذا الشد التاريخي بين اليمين واليسار في الفكر التقدمي اشتغلت على الرجعية والتقدمية وآل امرها اليوم الى الجلوس على مصاطب المقاهي والحديث الممل عن المادية التاريخية والبرجوازية الوطنية والتفسير المادي للتاريخ والديالكتيك لكنها لم تقدم شيئا ولم تشارك في صنع ملحمة عسكرية في اطار الحرب الشعبية المفتوحة على داعش!.
اليس من العيب «والاخوة في احزاب عراقية تقدمية اصدقاء لنا» ان لا نرى ولا تقدميا واحدا مشاركا في الحشد الشعبي؟!.
اذا لم تسعف المادية التاريخية أحزاباً تقديمة وتعينها على المشاركة في صناعة هذا المنعطف التاريخي المهم وطي صفحة داعش من العراق والمنطقة فمتى تسعف المادية هذا الحزب او تقدم العملية الديالكتيكية عنصرا جاذبا في اطار مهمة الحزب التغييرية وتدفعه الى الالتحام مع بقية ابناء العراق للخلاص من صفحة الغدر والتطرف الاعمى الداعشي؟!.
لقد قاتل التقدميون العراقيون في الخمسينات والستينات من القرن الفائت مشروعا اسلاميا كان يقوده الامام الحكيم ثم تحولت المسالة الى فتوى بتكفير «الشيوعية» وعدم تكفيرها، وبقي التقدميون العراقيون على رايهم وفي مواقعهم من النظر الى المرجعية الدينية حتى بعد سقوط النظام العراقي السابق الذي شارك التقدميون في الجبهة الوطنية معه عام 1975 ولم يقفوا وقفة مراجعة من المرجعية الدينية بعد هذا التأريخ، واليوم يقف التقدميون العراقيون صامتين امام ظاهرة الحشد الشعبي ولم ينخرط واحد منهم في تلك العملية الوطنية ربما لان الفتوى الصادرة بتشكيل هذا الحشد انطلقت من المرجعية الدينية ممثلة بالتقدمي الاول السيد السيستاني لا لشيء الا لان الديالكتيك العراقي ضد فتوى الحشد الشعبي!.
انا اعرف ان التدمية ضد التكفير والتطرف وتقف ووقفت فيما مضى من وقت ضد كل اشكال التطرف الفكري والتكفير الاعمى لكن لم اعرف ايضا ان التقدمية العراقية تقف مكتوفة الايدي جليسة المكاتب امام نهضة شعبية عارمة تتصدى للتطرف وراس التكفير الاعمى داعش ومشروع الظلام الاسود القادم على عمائم دولة الخرافة البغدادية!.
انا اعتقد ان مواطنا بسيطا من قرية في اقاصي الهور في الجبايش اوعى واكثر تقدمية من اعضاء في احزاب تقدمية وليبرالية جليسة المكاتب وتنظر للمرحلة والتاريخ وتستهلك «سكائر» اكثر مماتستهلك مقاتلين في جبهات الحشد الوطني!.

التعليقات معطلة