محمد خليفة
تزداد الأزمات التي تعصف بالعالم وتزداد معها التوترات والحروب، ففي الشرق الأوسط – ولعقود طويلة – كان هناك نزاع واحد هو النزاع بين الفلسطينيين و”إسرائيل”، أما اليوم فهناك نزاعات متعددة من مالي غرباً مروراً بليبيا وسوريا والعراق واليمن، وهناك دول أخرى مرشحة للوقوع في دوامة الصراع، آخرها أوكرانيا التي تعاني اليوم شبح التفكك بعدما كانت لعقود طويلة آمنة مستقرة، وكانت العلاقات بين روسيا والدول الغربية قطعت شوطاً طويلاً على طريق التطبيع بعد زوال الاتحاد السوفييتي، أما اليوم فقد عاد التوتر بين الجانبين، وبما ينذر بوقوع حرب عالمية ثالثة . فقد حذر وزير خارجية بريطانيا يوم الخميس الماضي من أن روسيا قد تشكل الخطر الأكبر على بلاده، واتهم الرئيس الروسي بوتين بتقويض القوانين الدولية التي تحفظ السلام بين الأمم . وفي غضون ذلك نفذ الجيش الروسي تدريبات في منطقة ستافروبول تزامنت مع مناورات أمريكية أطلسية في البحر الأسود قرب شبه جزيرة القرم التي انضمت إلى روسيا بعد انفصالها عن أوكرانيا . ونشرت الولايات المتحدة 3000 جندي في دول البلطيق . وبالرغم من أن المجتمع الدولي يبذل جهوداً كبيرة لتعزيز الأمن والاستقرار عبر عقد المؤتمرات والتجمعات التي يحضرها ممثلون من مختلف دول العالم، لعل أهمها مؤتمر ميونخ للأمن، الذي أصبح محفلاً دولياً مهماً يجتمع فيه صانعو القرار، والمسؤولون من مختلف الدول؛ لتبادل الآراء حول المشاكل والبحث عن حلول واقعية لها، فإن إنجازاً مهماً لتخفيف التوتر لم يتحقق .
وقد ارتبط اسم ميونخ بذلك المؤتمر الذي انعقد فيها عام ،1938 قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية وجمع بين الزعيم الألماني أدولف هتلر، والزعيم الإيطالي بنيتوموسوليني، والرئيس الفرنسي إدوار دالادييه، ورئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشمبرلين، وقد اتفق المجتمعون على تحطيم تشيكوسلوفاكيا لمصلحة ألمانيا بحجة إنقاذ السلام العالمي، لكن تحطيم هذه الدولة زاد من شهية ألمانيا لاكتساب المزيد؛ فاندفعت أكثر واجتاح الجيش الألماني بولندا في الأول من سبتمبر/ أيلول عام 1939؛ لتبدأ بعد ذلك نُذر الحرب العالمية الثانية . وعندما هدأت ألمانيا وانطفأت ثائرتها، عاد مؤتمر ميونخ للأمن لينطلق بحلة جديدة عام ،1964 وكان آنذاك مخصصاً للبحث في كيفية مواجهة المحور الشيوعي الذي كان يهدد بابتلاع أوروبا الغربية، فكان السياسيون على جانبي الأطلسي يجتمعون؛ لبحث الخطط الكفيلة بمنع التغلغل الشيوعي في أية دولة في غرب أوروبا .
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة عام ،1991 أصبح لهذا المؤتمر بعد دولي، ولم يعد يتعلق بأوروبا فقط، بل بالعالم أجمع، حيث يحضر السياسيون والمسؤولون من كل مكان إلى ميونخ في ولاية بافاريا الألمانية كل عام؛ ليتشاوروا في القضايا التي تهدد الأمن والسلم الدوليين . وفي 7 فبراير/ شباط الماضي انعقد مؤتمر ميونخ بمشاركة 20رئيس دولة، و60 وزير خارجية ودفاع، و400 سياسي وخبير .
وكان الحاضر الأكبر في جميع اللقاءات والاجتماعات موضوع تنظيم “داعش” الإرهابي، وكيفية التخلص من إرهابه، وكيفية دعم الأردن والعراق في محاربته . كما كانت الأزمة الأوكرانية مثار اهتمام كبير من قبل روسيا وأوروبا والولايات المتحدة . وظهر بشكل واضح الخلاف داخل دول التحالف الغربي في التعاطي مع هذه الأزمة، ففي الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة لإرسال أسلحة إلى حكومة كييف؛ لدعم صمودها في وجه التمرد الذي تدعمه روسيا في جنوب شرق أوكرانيا، فإن دولاً أوروبية كبرى مثل ألمانيا وفرنسا قد عبرت عن رفضها لهذا المسعى، معتبرة أن هذا النزاع لا يمكن أن يحل بالسبل العسكرية، بل بالوسائل الدبلوماسية فقط . ولعل السبب وراء هذا الرفض الأوروبي، هو الخوف من أن يؤدي الاستمرار في مسلسل التصعيد ضد روسيا إلى انقسام أوروبا، وانتقال الصراع الأوكراني إلى قلب الدول الأوروبية، كما أن ذلك قد يقود إلى اندلاع حرب عالمية ثالثة لا يريدها الاتحاد الأوروبي، ليس فقط لآثارها المدمرة على البشرية، بل لآثارها الاقتصادية المدمرة التي قد تقضي على الأخضر واليابس لدول الاتحاد الأوروبي .
وربما للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية تتباعد المواقف بين دول التحالف الغربي حول قضية معينة . فقد كانت هذه الدول تعمل بشكل جماعي لحفظ الأمن والاستقرار، أما اليوم فقد اختلفت آراؤها وتوجهاتها بعد أن وصلت النار إلى أطرافها، وبما يوحي بأن التحالف الغربي لن يبقى كما هو، لأن الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا لن تقبلا بأن تفرض روسيا الحل الذي تراه مناسباً لها في أوكرانيا، بل تريدان أن تفرضا حلاًّ رغماً عن الإرادة الروسية . أما فرنسا وألمانيا فإنهما جنحتا إلى مصالحة روسيا . وإذا استمرت الولايات المتحدة في سياسة التصعيد ضد روسيا، قد نشهد في المستقبل القريب انهيار حلف شمال الأطلسي، كما نشهد ظهور أحلاف واصطفافات دولية جديدة، ستغير ولا شك من مناطق النفوذ في العالم، وتعيد تشكيل خريطة المصالح من جديد، وقد نشهد صراعاً ليس سياسياً فقط بين القوى القديمة المهيمنة على مناطق النفوذ، وقوى أخرى صاعدة تبحث لها عن دور في قيادة العالم الجديد.