كارميل مارتي
لا توجد كلمات يمكن أن تصف بدقة ماذا يعني أن تنقذ حياة شخص. فالمرء يشعر بغبطة خالصة عندما ينقذ طفلاً من تحت جبال من الأنقاض، بيد أن هذه النشوة لا تدوم بالنسبة لنا، لأننا دائماً تحت الهجوم. وفي حلب، كما هو الحال في العديد من المدن السورية، أصبحت السماء تمثل هاجساً. يقف الأطفال على نواصي الشوارع يراقبون طائرات الهليكوبتر. والسماء الصافية في الصباح تعني أن نتأهب للبراميل المتفجرة. قبل الثورة، كنت أعمل بائعاً لمستلزمات الكهرباء. واليوم، فإنني أقود أكبر عملية إنقاذ في سوريا. نحن أكثر من 2000 رجل وامرأة تطوعنا للعمل كرجال مطافئ وعمال بحث وإنقاذ ومسعفين. كما أننا غير طائفيين وغير مسلحين ومحايدين، تمكنا من إنقاذ أكثر من 15 ألف شخص من جميع جوانب الصراع، بمن فيهم مقاتلون ينتمون للنظام. إننا نشكل الدفاع المدني السوري، ولكن بسبب الزي الذي نرتديه، فنحن معروفون باسم «الخوذات البيضاء».
وبعد أن تتساقط القنابل كالمطر، نهرع للتنقيب عن الناجين. وشعارنا «أن تنقذ حياة إنسان واحد يعني أن تنقذ البشرية جمعاء»، هو الذي يدفعنا إلى العمل، بيد أنه مقابل كل حياة ننقذها، هناك عدد لا يحصى له من القتلى. بعض هؤلاء يُقتلون جراء الضربات الجوية من قوات التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، بيد أن القاتل الأكبر هو «براميل المتفجرات»: وهذه عبارة عن براميل صدئة مملوءة بالمتفجرات والمسامير والزجاج والشظايا وأحياناً بالمعاول. هذه البراميل يتم الزج بها من مروحيات نظام الأسد لتنهال علينا من أعلى وتنفجر على الأسواق والمستشفيات والمنازل. ويقوم النظام بإسقاط هذه البراميل في عمق المناطق السكنية.
وبعض هذه القنابل تحتوي على غاز الكلور، بالرغم من القرار الواضح من مجلس الأمن الدولي هذا الشهر بحظر استخدامه. ومع عدم وجود سترات واقية، استجبنا لمشاهد الفزع والفوضى حيث يختنق المدنيون المسمومون حتى الموت. وغالباً ما تأتي هذه البراميل المتفجرة أزواجاً، حيث يسقط البرميل الثاني بعد أن يتجمع الجيران ورجال الإنقاذ لمساعدة الجرحى. ورغم ذلك، فنحن نذهب ونحن نعلم أن الموت قد يأتينا في أي لحظة. وليس بمقدورك الفرار من هذه القنابل، ولكن أن تأمل أن يمر الانفجار دون أن يصيبك. وحتى الآن، فقدنا حياة 87 متطوعاً، بالرغم من أننا سنحملهم في قلوبنا إلى الأبد. وقبل عام، طالب مجلس الأمن لأول مرة بالتوقف عن استخدام البراميل المتفجرة. ومنذ ذلك الحين، تم إسقاط الآلاف منها. رجاء أوقفوا هذه القنابل.

