التحليل السياسي /غانم عريبي
نجحت ايران في لوزان السويسرية في اختراق العقوبات الغربية والامريكية عليها ودق ناقوس الخطر النووي في اسرائيل وانهيار الآمال الاسرائيلية على مفاعل كريات شمونة بعد الاتفاق النووي المهم الذي ابرمته مع واشنطن ودول 5 زائد واحد!.
هذا النجاح ابهر العالم واظهر الايرانيين امام انفسهم وامام المجتمع الدولي امة لها قيمها السياسية والحضارية ويمكن الاندماج معها في مستويات اقتصادية وسياسية وهي ليست إلا نظاماً يعتمد الاسلام مصدرا للتشريع والقوننة لكنه لا يعادي احداً ولا يضمر لاحد الكراهية الا بالمقدار الذي يظهره الاخر لها وهي مسألة لا تخص ايران او تتعلق بالنظام الثوري والاسلامي فيها.
في الشاشة التلفزيونية رايت وزير الخارجية الايراني ظريف وكان سيد الشاشة الدولية حيث كان من المفترض ان يكون السيد هو كيري وزير الخارجية الامريكية الذي اختفى من منصة الظهور وهي علامة على عدم الرضا والقبول بالقضاء الغربي وقد تحول ظريف الى رجل ظريف في الذائقة السياسية والمجتمعية الايرانية التي استقبلته بالورود والتصفيق والهتاف في شوارع طهران وقد يكون الرجل بانجازه وعد الاتفاق الايراني النووي مع الغرب وواشنطن وضع اول قدم له في انتخابات الرئاسة الايرانية المقبلة اذ ان من ينجز اتفاقا صعبا ومرهقا مع الولايات المتحدة الامريكية وهي «الشيطان الاكبر» في الثقافة الايرانية المتداولة رجل ينتمي الى جيل الكبار ويصلح لان يكون رئيس البلاد وليس وزير الخارجية. ايران بالاتفاق النووي مع واشنطن تحولت الى ايران الصينية.. الصين التي فاجئت الولايات المتحدة الامريكية بقدرتها المجتمعية على بناء المفاعلات النووية الخاصة بانتاج الطاقة ومشتقاتها والتهديد بانتاج الاسلحة النووية في مواجهة غول الولايات المتحدة الامريكية في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، واذا كانت الصين بنت تجربتها الصناعية بالاعتماد على الجهد الذاتي والخبرة الصينية في مجال الابحاث النووية وبوجود قيادة تاريخية مثل الزعيم الصيني ماوسيتونغ فان ايران الاسلامية تحولت الى ايران نووية بالنظام الاسلامي والقدرة المجتمعية الخلاقة وبالاعتماد على زعامة تاريخية توفرت فيها كاريزما من نوع مختلف استطاعت ان تبني التجربة النووية المحلية الايرانية في اوائل الثمانينات متمثلة بقائد الثورة الاسلامية الامام الخميني الراحل.
ان الاتفاق النووي مع الغرب وواشنطن الرابح فيه الاطراف الثلاثة والخاسر فيه تل ابيب وراس الحكومة الاسرائيلية الجديدة بنيامين نتنياهو.
لقد عبرت تل ابيب عن خشيتها من ابرام اتفاق مع طهران بالضغط الذي مارسه الجمهوريون على الرئيس الامريكي باراك اوباما وبالخطاب التحريضي المزعج الذي القاه رئيس الحكومة الاسرائيلية في الكونغرس الامريكي لكن الولايات المتحدة بزعامة الحزب الديموقراطي عبرت عن شجاعة كبيرة هي الاولى في تاريخ علاقة الامريكيين باسرائيل تحدت فيها نتنياهو واللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة وفضلت مصالحها القومية على المصالح الاسرائيلية ومخاوفها المحسوبة من البرنامج النووي الايراني!.
وربما تكون المرة الاولى التي يمتدح فيها الرئيس الامريكي اوباما زعيم الثورة الايرانية علي الخامنئي بالقول بعد ابرام الاتفاق مع طهران ان «فتوى» الخامنئي بضرورة التعاون وابرام الاتفاق والوصول الى حل يرضي الاطراف الايرانية والغربية بما ينهي العقوبات الاقتصادية الدولية على طهران ستوفر البيئة المناسبة للتعاون وتنفيذ ماتم الاتفاق عليه في لوزان!.
الامريكيون يثقون بايران اكثر من هرم الثقة التي انبنت بين تل ابيب وواشنطن ولهذا تم توقيع الاتفاق مع ايران في لوزان وانا على يقين ان الادارتين الايرانية والامريكية ستمنحان هذا الاتفاق مزيدا من الشفافية والقوة والحيوية كلما تعمقت الثقة اكثر بين الطرفين وابعدت الادارة الامريكية نفسها عن مخاوف تل ابيب التي استطاعت تحنيط الموقف الامريكي من ايران ومن المسالة العربية برمتها بسبب الخوف من النووي او العرب المحيطين بالكيان الاسرائيلي!.
الانعكاسات النووية على المسالة العراقية ستكون مهمة بالتاكيد من خلال «استخدام نفس الحيوية» الامريكية الايرانية التي جرت في لوزان وطيلة السنوات السابقة من عمر المباحثات النووية الامريكية الايرانية بالملف العراقي.
ان الاتفاق النووي بين الطرفين الامريكي والايراني سيدفع الطرفين ايضا الى التفاهم حول مختلف المسائل السياسية في العراق والمشهد الاقليمي رغم الكلام «الاعلامي» الذي اطلقه وزير الخارجية الايراني جواد ظريف من ان المباحثات النووية شيء والحوار بين الطرفين الامريكي والايراني بشان العلاقات الثنائية شيء اخر!.
اقول ايضا ان من يقدر على ترويض «ثور» الصراع بين واشنطن وطهران بشان النووي الايراني يقدر على ترويض «شبح» الصدام بين الطرفين في اطار التفاهم على المسالة العراقية!.

