مراد أحمد
في ليلة ثلجية مُظلمة في ستوكهولم، كانت لوحة جدارية زيتية لتاج محل مُضاءة في قاعة المؤتمرات في مكاتب شركة تروكولر Truecaller. إنها تذكرة للموظفين والزوّار بالطموحات والنطاق الدولي الذي وصلت إليه الشركة السويدية الناشئة البالغة من العمر خمسة أعوام. تطبيق تروكولر، غير المعروف نسبياً في الغرب، الذي يُتيح للأشخاص العثور على أرقام الهواتف وحجب المكالمات غير المرغوب فيها، مُستخدم من قِبل عدد يصل إلى نصف سكان بعض البلدان، مثل لبنان والأردن. وأكبر أسواقه هي الهند، التي تمثّل نحو نصف مستخدميه البالغ عددهم 100 مليون في أنحاء العالم.
يقول ألان ماميدي، الرئيس التنفيذي والمؤسس المُشارك مع نامي زارينجالام: “نحن ننمو حيث يُريد مستخدمونا أن ننمو”.في العام الماضي، فازت الشركة بتمويل يبلغ 60 مليون دولار من شركة كلاينر بيركينز كوفيلد أند بايرز وشركة سيكويا كابيتال، وهما اثنتان من شركات استثمار التكنولوجيا الرائدة في وادي السليكون، إضافة إلى أتوميكو، شركة الاستثمار القائمة في لندن التي أطلقها سويدي آخر، هو نيكلاس زينستورم، المؤسس المشارك لشركة سكايب.
هذا الدعم يمنح قيمة للمجموعة تبلغ أكثر من 250 مليون دولار. ومع انضمام 200 ألف مستخدم كل يوم، يمكن أن يتم تقييم الشركة قريباً بمليار دولار، ما يجعلها شركة أوروبية “مميزة” أخرى – الشركات التي حققت قيمة تبلغ أكثر من مليار دولار.
بالنسبة لستوكهولم، مركز صناعة التكنولوجيا في السويد، تروكولر ليست ظاهرة منعزلة. ففي العقد الماضي، أطلقت هذه المدينة البالغ عدد سكانها 800 ألف نسمة شركات تكنولوجيا بقيمة مليار دولار أكثر من أي مدينة في أوروبا، لتتغلب على المدن الكبرى مثل لندن وبرلين. ووفقاً لدراسة أجرتها شركة أتوميكو “على أساس حصة الفرد، ستوكهولم هي ثاني مراكز التكنولوجيا الأكثر إنتاجاً على مستوى العالم، بواقع 6.3 شركة بقيمة مليار دولار لكل مليون شخص، مقارنة بـ 6.9 شركة في وادي السليكون”.
وتشمل النجاحات المحلية في العقد الماضي خدمة المكالمات عبر الإنترنت سكايب (التي اشترتها “مايكروسوفت” مقابل 8.5 مليار دولار في عام 2011)، وخدمة بث الموسيقى سبوتيفاي (بقيمة تبلغ ثمانية مليارات دولار)، وكينج ديجيتال (بقيمة سوقية تبلغ 4.9 مليار دولار)، وشركة الألعاب على الإنترنت التي وراء لعبة كاندي كراش ساجا، وموجانج صانعة ماينكرافت، (التي تم بيعها إلى “مايكروسوفت” العام الماضي مقابل 2.5 مليار دولار) وخدمة الدفع على الإنترنت، كلارنا (بقيمة تبلغ 1.4 مليار دولار).
ما الأمر الذي يتعلق بستوكهولم ويعني أن الأفكار التكنولوجية تترسخ هنا، وتنمو بسرعة وتصبح أكبر؟ وهل يمكن نسخ ذلك؟
الأمر الأول هو الطموح العالمي. عدد سكان السويد الصغير نسبياً، البالغ عشرة ملايين نسمة، يُجبر الشركات الناشئة على العمل في الخارج في أقرب وقت يمكّنها من ذلك. واحدة من خطوات ماميدي الأولى كانت توظيف مترجمين لإعادة كتابة التطبيق في لغات متعددة: “في اليوم الذي قمنا فيه بترجمة تطبيق تروكولر إلى اللغة العربية، كان اليوم الذي شهدنا فيه النمو يحدث”.
يقول جيكوب دي جير، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة آيزيتل، شركة تكنولوجيا الدفع البالغة من العمر أربعة أعوام التي تم تقييمها بـ 200 مليون يورو في عام 2014، مستحضراً استراتيجية فرقة البوب السويدية: “منذ أيام فرقة آبا، أدركنا بالفعل أهمية استهداف الوجود العالمي. الطريق الذي انتهجته فرقة آبا كان كتابة الأغاني باللغة الإنجليزية. والطريق الذي ننتهجه هو جعل خدماتنا متاحة للجميع، وليس للسويديين فقط”.
يقول سيافاش جورباني وكاج دوبرين، وهما اثنان من مؤسسي شركة تيتيل، منصة التجارة الإلكترونية السويدية، إن جميع الاتصالات الداخلية كانت تتم باللغة الإنجليزية منذ أن تم تأسيسها قبل أربعة أعوام. ويضيف جورباني: “هذا في الواقع لا يبدو منطقياً بالنسبة لشركة صغيرة، لكنه وضعنا في العقلية لنصبح شركة عالمية”.
ويتابع دوبرين: “كل شيء يبدو أكثر روعة بكثير باللغة الإنجليزية. فأنا لا أعرف ما معنى كلمة ’تعطيل‘ باللغة السويدية”.
التخطيط على المدى الطويل أمر آخر. مؤسسو التكنولوجيا في ستوكهولم يتحدثون عن عقود من مشهد التكنولوجيا في طور التكوين. وتملك السويد واحدة من شبكات الإنترنت ذات النطاق العريض الأسرع والأوسع في العالم، نتيجة التخفيضات الضريبية للاستثمار في البنية التحتية، والإعانات لتثبيت وصلات إنترنت في المناطق الريفية، وإجبار الشركات المملوكة للدولة على توفير خدمات الشبكة المحلية. وبفضل دعم الحكومة الفعّال لتكاليف شراء أجهزة الكمبيوتر، كانت السويد تملك واحدا من أعلى معدلات مُلكية أجهزة الكمبيوتر في أوائل العقد الأول من الألفية.
وأصبحت السويد طبق التجارب المثالي لاختبار خدمات الإنترنت المُبتكرة مثل كلارنا، وهي نظام الدفع عبر الإنترنت الذي يسمح للمستهلكين بالدفع من خلال مجرد إدخال عنوان بريد إلكتروني وكلمة سر.
يقول سيباستيان سيمياتكوسكي، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لكلارنا: “لقد كان واضحاً بالنسبة لي أن توسّع الإنترنت ذات النطاق العريض كان يقود التجارة الإلكترونية”.
جوناثان فوستر، المدير الإداري البريطاني لشركة سبوتيفاي في المنطقة الاسكندنافية، يتفق معه ويقول: “في السويد، أنت تملك السوق المثالية لاختبار شيء ما”.
كذلك تعد الخبرة مهمة. فالشركات الناشئة في ستوكهولم يمكن أن تطلب المساعدة من مجموعة من المخضرمين في الصناعة حول كيفية توسيع نطاق شركات الإنترنت ذات النمو المرتفع. ونجاحات السويد المبكرة في مجال الإنترنت تشمل تريددابلر، شركة التسويق عبر الإنترنت التي تأسست عام 1999، وتبلغ قيمتها السوقية نحو أربعة مليارات دولار، وشركة ستاردول، مجتمع الألعاب للفتيات على الإنترنت، التي تأسست عام 2004، والتي لديها أكثر من 300 مليون مستخدمة.
وخريجو هذه الشركات ينتشرون في أنحاء الشركات الرقمية في ستوكهولم. المسؤول التنفيذي السابق في ستاردول، تيد نيلسون، هو كبير الإداريين التجاريين في تروكولر؛ ومؤسس شركة سبوتيفاي، دانيال إيك، باع واحدة من أولى شركاته إلى تريددابلر وأصبح فيما بعد أحد كبار المسؤولين التنفيذيين في ستاردول.
يقول دي جير، موظف تريددابلر الأول قبل أن يؤسس آيزيتل: “نحن لا نزال نرتكب الأخطاء، لكننا نتجنب المآزق الواضحة. هناك عدد قليل من أصحاب المشاريع لأول مرة الذين نجحوا تماماً، لأنك قد تنجح إذا كنت تملك الخبرة من خلال خوض هذا المجال بضع مرات”.
الانتصارات المبكرة في ستوكهولم تعني أن رأس المال المغامر، خاصة من وادي السليكون، كان يتدفق إلى شركاتها الناشئة منذ بعض الوقت. ووفقاً لكريندام، شركة رأس المال المغامر المحلية، جمعت شركات التكنولوجيا الناشئة في السويد تمويلا يبلغ أكثر من مليار يورو بين عام 2008 وعام 2013.
من عوامل النجاح أيضا أن تكون سويدياً. يُشير بعض أصحاب المشاريع إلى أنهم استفادوا من الإحساس “بكونك سويدياً”، وهو موقف مساعدة الجار الذي يُعزّز التعاون. قبل إغلاق جولة تمويل كبيرة في تروكولر، أرسل ماميدي “بريدا إلكترونيا عشوائيا” إلى إيك طلباً للمشورة. النتيجة كانت وجبة غداء طويلة سأل فيها مؤسسو تروكولر عن توسيع نطاق أي شركة: “تلك الساعات الثلاث كانت ذات قيمة عُظمى بالنسبة لنا”.
سيمياتكوسكي ينحدر من الإجماع الديمقراطي الاجتماعي في السويد، حيث يستفيد الشباب من التعليم الجامعي المجاني والرعاية الصحية الشاملة، وهو شبكة آمنة يعتمدون عليها عند المجازفة بإطلاق عمل جديد.
يقول: “في مكان متعدد الثقافات مثل الولايات المتحدة، حيث يوجد 400 مليون نسمة، بالطبع ستكون قادراً على إنتاج القلّة الذين لم يمرضوا، والذين وجدوا بالفعل طريقهم إلى المدرسة المناسبة وكانوا ناجحين. لكن كيف تقوم بإنتاج المزيد من أولئك الأشخاص لكل فرد؟
أنا أعتقد أن السويد قامت بتأسيس بيئة للنجاح أكثر”. وعلى جانب السلبيات تأتي وجهة النظر الأكثر تشكّكاً. فعلى الرغم من الازدهار، لا يزال المشهد التكنولوجي في ستوكهولم يعاني بعض نقاط الضعف:
النقص النسبي للمساكن وارتفاع الإيجارات يجعلان من الصعب على العاملين في مجال التكنولوجيا الاستقرار في المدينة.
ويُشير بعض المحليين إلى أن حكومة السويد التي كانت مهووسة فيما مضى باكتساب ميزة تكنولوجية، تُهمل شركات التكنولوجيا في ستوكهولم. وهذا قد يترك فرصة أمام المدن المُنافسة، مثل لندن، لجذب أصحاب المشاريع والعاملين الأجانب.

