Pdf copy 1

   إيما جيكوبس
في منتصف التسعينيات، حاول مارك جودمان، المحقق آنذاك في قسم شرطة لوس أنجلوس، إقناع مديره بالحاجة إلى تأسيس وحدة للجريمة الإلكترونية، وماذا كان رد فعل المدير؟ الحيرة المطلقة. “هذا الكابتن قال لي، جريمة إلكترونية، ما هذا؟ هل تعني أن شخصا يأخذ شاشة الكمبيوتر ويضرب شخصا ما في رأسه ويقتله؟”.
هذه حكاية معبرة. في حين أصبحت وكالات تنفيذ القانون متطورة تكنولوجيا بصورة متزايدة، أصبح المجرمون متطورين بصورة متزايدة في مجالات التكنولوجيا، وفقا لجودمان. كان هذا شيئا لاحظه هو حين كان يحقق في قضايا المخدرات في لوس أنجلوس. “في تلك الأيام، كان الأشخاص الوحيدون الذين يمتلكون أجهزة النداء هم الأطباء. من ثم بدأت ترى تجار مخدرات الشوارع يحملون هذه الأجهزة. وكنتُ أقول في نفسي وأنا أرى الواحد منهم، هذا لا يبدو عليه أنه طبيب”.
يقول جودمان، إن المجرمين هم من أوائل من تبنى التكنولوجيا فعلا. البيولوجيا التركيبية والطائرات بدون طيار والذكاء الاصطناعي، أصبح المحتالون الأذكياء مختصين فيها منذ فترة. يقول أيضا، “هؤلاء الأشخاص هم حقا أذكياء (…) يبتكرون التكنولوجيات من أجل الاحتيال وتحقيق مكاسب مالية أو للثأر الشخصي”.
يصر أيضا على أن عصابات تهريب المخدرات تستثمر في البحوث والتنمية، حيث تقوم “شركات الجرائم”، كما يسميها، بتوظيف عمال نظام التجميع من مصانع الطائرات بدون طيار لتهريب المخدرات للعمل في مصانع سرية للمخدرات في المكسيك”.
ويضيف أن القراصنة المجرمين ليسوا شبابا معزولين تنتشر الحبوب على وجوههم كما تصورهم الحكايات الشائعة، ويتوزعون هنا وهناك من أجل المتعة، بل هم موظفون أكبر سنا (يقول إن 40 في المائة منهم فوق سن 35) ينتمون لعصابات الجريمة المنظمة. ووفقا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، يمكن أن تبلغ تكلفة الجرائم الإلكترونية ما يصل إلى 575 مليار دولار.
هذا الشخص البالغ من العمر 45 عاما، ويرتدي نظارات رياضية وسترة بمقاس غير مناسب، يعد مزيجا مؤثرا من الحماس المهووس والذكاء سريع البديهة، هو الآن في مهمة لبيع كتابه “جرائم المستقبل، كل شيء متصل، كل شخص معرض، فماذا يمكننا العمل حيال ذلك”. لذلك هو الآن في لندن، لكن أيضا لتحذير الناس بأن يكونوا أكثر وعيا بقضايا الخصوصية والأمن. ويقول، إن شركات التكنولوجيا لا تتولى مسؤولية كافية عن أدواتها.
في عمر الطفولة، كان طموحه أن يصبح شرطيا ومكافحا للجريمة، كاللصوص والنصابين – أي شيء من هذا القبيل. ولأنه لم يكن يتمتع بمهارات تكنولوجية، لم يكن قادرا على توقع الحصول على مهمة لدى مكتب التحقيقات الفيدرالي.
بالنسبة لرجل يمضي حياته العملية متوقعا الرعب والكوارث المستقبلية، يعد جودمان شخصا مبتهجا بشكل ملحوظ، ويعزو تصرفاته السعيدة إلى قدرته على الفصل.
قلت له إني أجد كتابه مرعبا جدا لدرجة أنني أتوقف عن قراءته ليلا، لأن التفاصيل والأوصاف تطغى على نومي. يتم التجسس على الأطفال الرضع عبر اختراق كاميرات الويب، ويتم حجز القتلة عبر شبكة مظلمة يمكن من خلالها أيضا أن يشتري المرء المخدرات مثل “نفَس الشيطان”، الذي يعرفه الناس باسم “سكوبولامين”، الذي يمكنه محو ذاكرة الضحايا. يقوم الإرهابيون ببناء الروبوتات لنشر القنابل، هذا يعطيك فكرة عما هو آت.
يبدو المستقبل كالجحيم، حيث يستطيع القراصنة احتجاز الأشخاص المزودين بمنظم لنبضات القلب من أجل الحصول على فدية، والسيارات من دون سائق يمكن التحكم بها عن بعد. بإمكان المجرمين في مجال علم الأحياء إيجاد فيروسات قاتلة لمهاجمة السكان، أو ربما مهاجمة فرد واحد. يكتب جودمان إنه لا داعي لإرهابيي اليوم والمستقبل القلق حيال الوصول إلى الكائنات المسببة للمرض التي تسيطر عليها مختبرات الحكومة. يكتب أيضا، “مع ظهور سينبيو (البيولوجيا التركيبية)، بإمكانهم فقط تحميل مخططات التسلسل الجيني وطباعة تلك الفيروسات القاتلة بأنفسهم”.
هناك مكاسب شخصية يمكن تحقيقها في الحديث عن المشكلات المستقبلية. ينصح جودمان أيضا الوكالات الحكومية فيما يتعلق بجرائم المستقبل. يصر قائلا، “أنا لا أقول إننا بحاجة إلى القلق حول هبوط المريخيين على الولايات المتحدة، لأن بإمكانك استخدم المسحوق المضاد للمريخيين الموجود لدي. لكن هذه أشياء تحدث بالفعل”.
انضم جودمان، الذي ولد في نيويورك، إلى وحدة الشرطة في نيويورك في الوقت الذي كانت تعلن فيه عن تقليص قوتها العاملة. ثم اتصلت به إدارة شرطة لوس أنجلوس. “أنا لم أكن متأكدا فيما إذا كنت أود الذهاب إلى كاليفورنيا أم لا، لأنه مجموعة من الشواذ تعيش هناك”. إحدى شركات التوظيف قدمت له خيارا، توجيه حركة المرور أثناء نزول الثلج، أو في الصيف على شاطئ ماليبو. حين أصبح في لوس أنجلوس، اكتشف أن العمل لم يكن سهلا أبدا. “كانت الأمور تبعث على الجنون، ووصلت الجريمة إلى الأعالي. كانت هناك كميات هائلة من الجرائم العنيفة وحروب المخدرات”. في عام 1992، بدأت أعمال الشغب بعد تبرئة الشرطة من تهمة ضرب رودني كينج. “ما أدركته خلال أعمال الشغب هو أن رجال الشرطة هم فقط المسؤولون، ما دام الناس يسمحون لهم بذلك، وحين يقررون أنك لست صاحب المسؤولية فأنت تتوقف عن أن تكون صاحب مسؤولية”. بعد المشاركة في العمليات السرية المتعلقة بالمخدرات والدعارة، دخل إلى عالم جرائم التكنولوجيا بالصدفة، وكان الشخص الوحيد في محيطه الذي كان يعرف كيفية إجراء التدقيق الإملائي في برنامج ويرد بيرفكت. في عام 1995، كان ذلك كافيا لجعله مميزا كواحد من نخبة رجال الشرطة في مجال التكنولوجيا، وطلب منه التحقيق في قضية قرصنة على أنظمة الكمبيوتر الشخصية لإدارة شؤون الشرطة. يقول، إن مساعدة مكتب التحقيقات الفيدرالي كانت ضئيلة. “لقد اتصلت بالمكتب وإليكم ما سمعته، على مهلك، يا جوي، هل لدينا خبير في جرائم الكمبيوتر؟ ليس لدينا واحد حتى الآن، لكن لدينا شخص سيلتحق بالجامعة العام المقبل، هل بإمكانك معاودة الاتصال لاحقا؟”.
في عام 1998 عمل على تأسيس وحدة مختصة بجرائم الحاسوب في قسم شرطة لوس أنجلوس، وتقدمت مهاراته منذ نعومة أظفاره، بعد دراسته لجنائيات الحاسوب وحصوله على درجة الماجستير في إدارة نظم المعلومات من “كلية لندن للاقتصاد”.
يقول أيضا، إن المشكلة آنذاك، كما هي الآن، تكمن في أن الإنترنت عملت على تدمير الشرطية التقليدية، المقيدة بالولايات القضائية الوطنية. “دعونا نقول إنني أردت تنفيذ أمر بحث في فرنسا، ليست لدي سلطة اختصاص. ليس لديهم أي التزام بالتعاون”. لا يمتلك المجرمون، من ناحية أخرى، مثل تلك القيود. يقول أيضا، إن الشرطية لا تعمل. “نحن نستخدم الأدوات الخاطئة لمحاربتها”.
بدلا من ذلك، يقترح إنشاء منظمات عامة للصحة مثل منظمة الصحة العالمية ومراكز مراقبة الأمراض والوقاية منها كنماذج. “نحن نتحدث عن فيروسات خاصة بالحاسوب وإصابات. ينبغي علينا اعتبار استخدام أدوات الطب لمكافحة المشكلة”. بدلا من استهداف الأفراد، يقول إن التركيز ينبغي أن يتوجه صوب برامج الكمبيوتر الضارة. “أغلب ظني أن 0.001 في المائة من مجرمي الإنترنت فقط يمكن أن يتم إحضارهم إلى العدالة”. وهو يعمل اليوم في جامعة سينجيولارتي Singularity، وهي مركز تدريب خاص في وادي السليكون، من تأسيس راي كوزْويل، المؤلف والمختص بدراسات المستقبل، وصاحب المشاريع بيتر ديامانديس. في الجامعة هو يعمل مع رواد الفضاء وعلماء الروبوتات وعلماء البيانات الضخمة، من أجل معرفة الجانب المظلم المحتمل للابتكار. وهو أيضا مستشار في حوار الأفلام، التي لا يستطيع أن يتحدث عنها بعد. ويقول، إنه بالرغم من المظاهر اللامعة والبراقة، فإن رغبته هي في نشر الخوف من الويل والثبور وعظائم الأمور هي دليل صحيح على قيمه الشرطية التي تقوم على حماية وخدمة الجمهور.
ويقول، “التكنولوجيا مذهلة، ومستقبلنا سيكون مذهلا، لكن ذلك لن يأتي دون مقابل”.

التعليقات معطلة