دانييل دومبي
عثمان يلدريم يتذكر الحياة قبل أن تأتي موجة من الأموال الأجنبية إلى قلب تركيا. عندما تولى يلدريم، الذي يدير شركة لتصنيع العدسات الطبية في سيفاس، قيادة غرفة التجارة المحلية في عام 2001، كان لدى المنطقة الصناعية التي يعمل فيها 36 مصنعا، و1220 عاملا، وصادرات بلغت 16 مليون دولار. ويتباهى الآن بوجود 200 مصنع يعمل فيها سبعة آلاف شخص، وتبلغ الصادرات 200 مليون دولار تقريبا.
قبل عشر سنوات لم يكن هناك أي مطار. الآن هناك رحلات يومية إلى إسطنبول. ومن المقرر لقطار فائق السرعة أن يصل بحلول عام 2017، في حين أن الطريق الجديد لساحل البحر الأسود يساعد أيضا الصناعة المحلية.
ليس هناك شك في مدينة الأناضول هذه حول نطاق التغير الاقتصادي الذي أحدثه هذا القرن في تركيا، التي أصبحت تحتل مركز الصدارة في الأسواق الناشئة. يقول يلدريم وهو جالس في مكتبه، في طابق أعلى من مكان الفنيين العاملين على تصنيع عدسات المياه البيضاء، البالغ ثمنها 100 دولار التي يتم تصديرها إلى 36 بلدا: «إن الاقتصاد أعظم نجاح للحكومة. لقد أصبحت سيفاس مدينة استثمارية». تقدم تركيا جعلها متميزة عن كثير من الأسواق الناشئة الأخرى التي شهدت نموا قويا على مدى العقد الماضي. في البلدان الغنية بالموارد مثل البرازيل وجنوب إفريقيا وتشيلي، يعزى النمو في جزء كبير منه إلى الطلب الصيني على السلع الذي تباطأ الآن.
لكن الأنموذج الاقتصادي التركي – الذي أقيمَ إلى حد كبير على الطلب المحلي وقطاع البناء النشط – يتعرض مع ذلك لضغط متزايد. تراجع النمو بشكل حاد من 9 في المائة في 2010 و2011 إلى أقل من 3 في المائة عام 2014. ويقول يلدريم: «ما زالت الأمور تتطور، لكن ليس بالسرعة التي اعتدنا عليها. لا يزال هناك تحسن، لكن ليس بقدر ما نريد». على الصعيد الوطني، ثقة المستهلكين بالقرب من أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، ومعدل البطالة ارتفع إلى 11 في المائة، وهي نسبة تحوم حول أعلى مستوياتها منذ خمس سنوات. كذلك علِقت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي عند نحو عشرة آلاف دولار لعدة سنوات. وفقدت الليرة نحو 40 في المائة من قيمتها مقابل الدولار منذ أيار (مايو) 2013.
في ظل هذه الخلفية، يشتعل النقاش داخل الحكومة حول ما إذا كانت الوصفة التي قادت النمو في السنوات الأخيرة – وهي فترة تميزت بانخفاض أسعار الفائدة، ومشاريع للبنية التحتية رفيعة المستوى، وتنمية سكنية براقة – يمكن لها الاستمرار في العمل. يرى بعضهم أن البلاد بحاجة إلى تحول أساسي نحو إنتاج سلع ذات قيمة عالية، والعمل في الوقت نفسه على تعزيز الإصلاحات الهيكلية القانونية والاقتصادية.
كما هي الحال مع غيرها من الأسواق الناشئة، اعترف صناع السياسة الاقتصادية في تركيا بأن العقد المقبل من المرجح أن يكون أقل مردودا من سابقه – على الرغم من جدالهم بأن البلاد ستبقى أكثر بريقا من الاقتصادات الصناعية. والسؤال هو ما يجب على الحكومة القيام به لتغيير الأمور.
وثمة اختباران يلوحان في الأفق: احتمال رفع الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لأسعار الفائدة هذا العام، والانتخابات العامة في حزيران (يونيو) التي يأمل الرئيس رجب طيب أردوغان، الزعيم الأعلى في البلاد، أن ينال فيها أغلبية كبيرة بما يكفي لاستبدال النظام الرئاسي بالنظام البرلماني التركي. وهو يجادل بأن عجلات الاقتصاد تدور ببطء بسبب ارتفاع أسعار الفائدة المحلية، وفشل نظام الحكم البرلماني الذي يمكن أن يحكم فيه القضاة ضد مشاريع استثمارية كبيرة.
البحث عن فتح
يجادل منتقدو أردوغان بأن الاستثمار يتعثر بسبب فشل أكثر عمقا في القدرة التنافسية. ويقول كثير من المصرفيين الدوليين إنه لا يزال هناك أكثر مما يكفي من السيولة العالمية للسماح للاقتصاد التركي بأن يزدهر على المدى القصير، شريطة أن تأتي تركيا بـ «حكاية» – حجة استثمارية مقنعة أو فتح مهم في السياسة أو الاقتصاد.
لكن حملته لتخفيض أسعار الفائدة طمست بفعل الهبوط في أسعار النفط، وهو واحد من التطورات الاقتصادية الأخيرة الأكثر ملاءمة لبلد يتحمل فاتورة استيراد طاقة تبلغ قيمتها 55 مليار دولار. وتقريبا بمجرد أن أشاد التكنوقراطيون في تركيا بأثر الهبوط على النمو والتضخم وعجز الحساب الجاري، ضاعف أردوغان هجومه على البنك المركزي لعدم خفض أسعار الفائدة بشكل أكثر قوة، حتى إنه وصف اردم باسجي، محافظ البنك، بالخائن. نتيجة لذلك زادت الليرة من تراجعها مقابل الدولار.
ويشكو جودة آكاي، كبير الاقتصاديين في «يابي كريدي»، أحد أكبر البنوك في تركيا وأحد المتعاطفين منذ فترة طويلة مع حزب التنمية والعدالة الحاكم في البلاد: «نحن نملك ثقافة الآراء السياسية، وليست ثقافة البرامج الاقتصادية والمالية». ويقول إن السياسيين ومستشاريهم يشيرون خطأ، إلى أن تركيا يمكن أن تختار فقط خفض أسعار الفائدة: «بدلا من الإتيان بحكاية، أنهم تأتون بخرافة (…) ربما كانت لدينا أفضل حكاية في أي وقت من الأوقات، هي صدمة النفط، لكننا ارتكبنا خطأ فادحا في كل هذا، لماذا؟ للبحث عن خرافة». كما هي الحال مع غيرها من البلدان النامية، تغير تمويل الاقتصاد التركي تقريبا بشكل يصعب التعرف عليه على مدى العقد الماضي. أصبحت البلاد بصورة ملحوظة أكثر اعتمادا على تدفقات رأس المال على المدى القصير، بدلا من الاستثمار الأجنبي المباشر، لضمان العجز الكبير في الحساب الجاري التقليدي لديها.
مجموعة متنوعة من العوامل تكمن وراء هذا التحول. أحدها هو المتاعب الاقتصادية في الاتحاد الأوروبي الذي يشكل أكثر من 70 في المائة من الاستثمار الأجنبي المباشر في تركيا. وأضاف دبلوماسيون أن الشكوك حول سيادة القانون تعوق عديدا من الاستثمارات المتوقعة على نطاق واسع، كما عزز أردوغان سلطته بعد احتجاجات حديقة جيزي عام 2013 ضد قيادته، وكذلك إثر تحقيق لاحق في الفساد طال شخصيات قريبة منه.
لكن كان هناك مصدر جاهز للأموال البديلة. فقد أوجدت سياسات التسهيل الكمي الأمريكية مجموعة من رؤوس الأموال العالمية الساعية إلى تحقيق عوائد أعلى. وفي السنوات التي تلت الأزمة المالية عام 2008، انتهى كثير من هذه الأموال في الأسواق الناشئة. وبشر هذا بعالم جديد وأكثر غموضا تغذيه الديون بالنسبة للشركات التركية والمستهلكين، ما أسهم في حدوث انهيار في معدل الادخار – أكبر هبوط من نوعه في مجموعة العشرين.
قضايا التمويل
وجدت تركيا نفسها وهي تهرول في بعض الأحيان سعيا للحصول على أموال. العجز في الحساب الجاري لشهر شباط (فبراير) البالغ 3.5 مليار دولار حصل على ضمانه من أموال مجهولة المنشأ – المعروفة باسم «صافي السهو والخطأ» – التي يوحي بعض الاقتصاديين بأنها كانت جزئيا من نخبة من شركات تركيا التي أعادت سيولة في الخارج إلى الوطن لمساعدة شركاتها داخل البلاد. وتم تمويل العجز البالغ خمسة مليارات دولار في آذار (مارس) عن طريق بيع البنك المركزي احتياطيات لدعم الليرة التي أظهرت منذ ذلك الحين انتعاشا محدودا.
وتصر الحكومة التركية على أن المالية العامة لا تزال قوية بشكل استثنائي – أكثر تأثيرا بكثير مما هو عليه الحال بالنسبة لاقتصادات منطقة اليورو، حيث إن الدين الحكومي يبلغ 33 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي والعجز 1.4 في المائة.
لكن بعض الاقتصاديين يقولون إن الحكومة خففت من الإصلاح الهيكلي في الوقت الذي تدفق فيه المال. ويقول مراد آيسر، من جلوبال سورس بارتنرز، وهي شركة استشارية: «لدينا القطاع الخاص الذي يأخذ الكثير من الديون، ومعظم هذا الدين يعتبر بشكل واضح دينا خارجيا»، مسلطا بذلك الضوء على 178 مليار دولار عبارة عن صافي مطلوبات بالعملات الأجنبية للشركات، ارتفاعا من 6.5 مليار دولار في عام 2002.
ساني سينر، الرئيس التنفيذي لشركة تاف للمطارات، مجموعة البنية التحتية الرائدة، يشير إلى الخطر الرئيس للاقتراض بالعملة الأجنبية، ويقول: «في بعض المشاريع الإيرادات بالليرة التركية لكن الديون بالدولار، لذلك [مع سقوط الليرة] هذا النوع من المشاريع يواجه صعوبات، ويعتبر هذا مصدر قلق كبيرا بالنسبة للاقتصاد التركي».
وتشتهر الشركات التركية بمرونتها في تعقب الأسواق الجديدة، لكن في الوقت الذي يتباطأ فيه الاقتصاد المحلي، الزيادة الكبيرة والدائمة في الصادرات تثبت أن من الصعب تحقيقها.
وقد طورت بعض الشركات التركية علامات تجارية متخصصة أقل تميزا، مثل العلامة التجارية بيكو للأجهزة المنزلية، وهي جزء من شركة كوك، التكتل الأكبر في تركيا. لكن عموما، الصادرات غالبا ما تكون منخفضة القيمة المضافة؛ أقل من 4 في المائة من إجمالي السلع المصنعة التي تباع في الخارج يأتي من قطاع التكنولوجيا. كما تضرر الطلب بسبب المشكلات الاقتصادية التي تعانيها منطقة اليورو والفوضى التي تجتاح كثيرا من الأسواق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وغذت هذه الاتجاهات إجماعا متزايدا على أن الوضع الاقتصادي الراهن في البلاد ليس مستداما – لكن ليس هناك اتفاق يذكر بشأن الحل.
إحدى المجموعات التكنوقراطية المتجمعة حول أحمد داود أوغلو، رئيس الوزراء، وعلي باباجان، نائبه المسؤول عن الاقتصاد، تطالب بتحسين نظام التعليم، وتعزيز سيادة القانون، لتعزيز الإنتاجية والاستثمار. وتدفع أيضا في اتجاه إصلاحات ضريبية وفي سوق العمل.
ويجادل باباجان أيضا بأن تركيا أصبحت تعتمد على قطاع البناء والإنشاءات، لكن هذا لا يعتبر برنامجا يتبناه بحماس أردوغان، السلطة الحقيقية في البلاد، المقرب من أقطاب البناء والمدافع عن القطاع بوصفه محركا للاقتصاد. ولا يتم المشاركة فيه من قبل الرجال الذين يقدمون المشورة للرئيس.
يجيت بولوت، كبير المستشارين الاقتصاديين لأردوغان، واحد من المؤيدين الرئيسين لنظرية أن جشع «لوبي أسعار الفائدة» يسعى لإعاقة التقدم في تركيا، وهو يشير كذلك إلى أن أعداء أردوغان سعوا إلى قتله سياسيا.
جميل إرتم، مستشار آخر لأردوغان، حذر الرئيس الأمريكي باراك أوباما من «عواقب سياسية خطيرة وغير مرغوب فيها من أجل البشرية» في حال قرر الاحتياطي الفيدرالي رفع أسعار الفائدة.
ومن المتوقع على نطاق واسع لباباجان أن يترك منصبه بعد انتخابات الشهر المقبل. ومن بين المرشحين المحتملين لخلافته بيرات البيرق، زوج ابنة أردوغان المؤيد لتخفيض أسعار الفائدة. لكن المخاطر في انتخابات الشهر المقبل تذهب إلى أبعد من سياسة أسعار الفائدة.
اليد الطولى للرئيس
المستقبل السياسي في تركيا – وإلى حد كبير مستقبلها الاقتصادي – يعتمد على ما إذا كان أردوغان سيعرض نظاما رئاسيا يحتمل فيه معارضة لا تذكر من المحاكم أو البرلمان. ما يثير القلق هو أن الرئيس قد يخاطر باستمرار السياسة والاقتصاد والمال السهل، على الرغم من التغييرات في العالم الخارجي.هذه هي معضلة تركيا. ساعدت فترة النجاح الاقتصادي زعيمها على تركيز السلطة بين يديه. الآن، يحذر النقاد من أن مزيدا من تركيز السلطة سيؤذي توقعات تركيا – ويزيد من خطر السياسات التي على المدى الطويل لا يمكن الدفاع عنها. في الوقت نفسه، الصناديق الأجنبية تعتبر أكثر تمييزا من قبل، ولا تزال البلاد عرضة للصدمات الخارجية والداخلية والنمو دون المتوسط وفقا للمعايير الأخيرة – وهي جميعا مشكلات تشترك فيها تركيا مع غيرها من الأسواق الناشئة الرئيسة. مع ذكريات لا تزال ماثلة حول سنوات المجد، فإنه سيكون من الصعب التكيف مع عالم أقل تسامحا.
نعود مرة أخرى إلى سيفاس، حيث يشكو يلدريم من أن منطقته – التي تعاني مشكلة بطالة وفجوة في المهارات في آن معا – يجب أن تفعل أكثر من ذلك بكثير لتطوير التكنولوجيا الفائقة، والمنتجات ذات القيمة المضافة، لكن هناك مخاوف أكثر جوهرية في ذهنه. يقول: «لتحسين الاستثمار وجلب رؤوس الأموال الأجنبية إلى تركيا، يجب أن تكون هناك عدالة. يجب أن تكون هناك سيادة للقانون».

