Pdf copy 1

  لوسي كيلاوي 
قبل فترة طويلة، عندما كنت متدربة في وول ستريت، كنت أصل إلى مترو الأنفاق كل صباح في الشارع 68 مع زميل بريطاني كان يعمل لدى المصرف نفسه. بينما كنا نركب القطار المليء بالركاب، أسأله السؤال نفسه.
“نيل، ما الشيء الذي لا تلقي له بالا؟”.
وكان رده دائما: “لا شيء، يا لوسي، أنا لا أهتم بأي شيء”. من ثم يضحك كلانا.
نيل لم يكن يهتم أو يلقي بالا لأي شيء حينها، ولا حتى أنا. إلا أن عدم اهتمامه ذاك لم يقف في طريق نجاحه. في الوقت المناسب، ترك المصرف وشارك في تأسيس شركة باعها فيما بعد إلى السير مارتن سوريل. أصبح أول أصدقائي الذين أصبحوا أثرياء بحق، والأول الذي يرتب حياته تماما بالشكل الذي يناسبه. الآن، يترأس كثيرا من المنظمات الكبرى ويستثمر في مشاريع تجارية صغيرة. وعلى حد علمي، في الواقع هو يعيش حياة سعيدة.
في ذلك الوقت، كنا شبابا وفي غاية السخافة، وكنا نعيش في عصر كان من الجميل التباهي فيه بعدم الاهتمام. أما الآن، تغير العالم واللامبالاة أصبحت من المحرمات. إن اهتمامك بعملك لا يعتبر أمرا حيويا للنجاح فحسب وإنما أصبح نوعا غريبا من رموز المكانة. أي شخص لا يهتم ينصح بالتزام الصمت حيال ذلك، والتظاهر بقوة بأنه يشعر بالحماسة الكبيرة كأي شخص آخر. أنا ألقي اللوم على ستيف جوبز في هذا الأمر، وبالذات على شعاريه الخاطئين: “لا تستقر” و”أحب ما تفعله”. بفضله، أصبح الاهتمام الآن إلزاميا. من المفترض أن يكون هذا جيدا بالنسبة لنا، لأنه يعزز لدينا احترام الذات، ومن المفترض أن يكون جيدا لأرباب العمل كونه يعزز أرباحهم. الأسبوع الماضي، قام جيمز ألتوكر، صاحب المشاريع والكاتب ومدير صندوق التحوط، بفعل شيء شنيع. نشر عبر الإنترنت نسخة موسعة من الحوار الذي دار بيني وبين نيل قبل فترة طويلة، عبارة عن مدونة مكونة من ألفي كلمة بعنوان “ماذا يحدث عندما لا تكون مهتما”.
تبين أن ألتوكر أصبح أخيرا شخصا غير مهتم، وبدأ في ذلك قبل خمس سنوات وعمره 42 عاما. منذ ذلك الحين، اكتشف أن كل أنواع الأشياء الجيدة تنبع من ذلك. في البداية، لست مضطرا لإلزام الآخرين بالاستماع إليك. ولا تنزعج عندما يهاجمك الآخرون، ولا عندما تكتشف أنه ليس بإمكانك تغيير العالم – لأنه كبير وأنت صغير. يقول إن عدم الاهتمام أو اللامبالاة تعني أنه عندما تفقد كل مالك (كما يحصل معه أحيانا)، لا تهتم: هو يعرف أن بإمكانه استرجاع ماله مرة أخرى بسهولة.
المشكلة الوحيدة في مدونته (بصرف النظر عن نهايتها القاتمة وغريبة الأطوار، “عندما أكبر أريد أن أصبح طفلا صغيرا مرة أخرى”) هي أن ألتوكر شخص غريب الأطوار لا يتحدث معنا نحن الذين لا نصنع أو نفقد ثرواتنا، وإنما نحصل على شيك راتبنا الشهري.
لكن حتى بالنسبة للعبيد الذين يعملون بأجر، ينطبق الشيء نفسه – ربما حتى أكثر من ذلك. إذا نظرت حولي إلى زملائي، أرى أن الأشخاص الذين هم أقل تكيفا مع متاعب حياة العمل هم الذين يهتمون بشكل كبير. أنهم يلقون بالا لما يفكر فيه الناس. ويهتمون إذا لم يتم دعوتهم لحضور اجتماع ما. ويهتمون عندما لا تنجح مقالاتهم. يصبحون منخرطين كثيرا في كل شيء. هذا النوع من الاهتمام يعد غير منتج أبدا. إنه يجعلنا في حالة جنون وأنا حقا لا أستطيع استيعاب أن ذلك يمكنه جعل رب العمل أكثر ثراء. ينبغي أن تكون القاعدة المنتشرة بين كل الموظفين هي توقف الاهتمام بأمور خارج سيطرتنا. لذا، عندما يسلم أرباب العمل مبادرة إدارية جديدة، فليست هناك جدوى في أن نفعل شيئا سوى الشعور بالتسلية دون أن يعنينا الأمر.
لكن ماذا عن العمل نفسه؟ بالتأكيد، ينبغي أن نهتم بهذا، أليس كذلك؟ لاحظ أن الاهتمام يمكنه التحفيز، رغم أن ذلك لحد معين فقط. إن نمط عدم الاهتمام الطفولي الذي سلكناه، نيل وأنا، خلال تلك العقود الماضية جعلنا من المصرفيين الفاسدين. لقد كان مدمرا وغير مهني، وبشكل عام كان أمرا لا يوصى به. لكن الاهتمام المتزايد هو أيضا أمر فيه إشكالية. باعتباري كاتبة، أجد أن الاهتمام اللامبرر يجعل كلماتي مشوهة وغير عفوية، ويجعلني مندمجة جدا في الموضوع، حيث إنني أميل إلى كتابة شيء غبي. القليل من الانفصال يجعلني صحافية أفضل. أعمل مع زميل ذكي أعتبره أنموذجا وقدوة. هو يؤدي عملا رائعا بصورة استثنائية، ومع ذلك يذكرني قليلا بصديقي نيل. لا يأخذ أي شيء على محمل الجد الزائد عن الحد، وأغلب ظني أنه في أعماقه لا يهتم بأي شيء في الواقع. عندما أصارحه بذلك الآن، يحمر وجهه خجلا إلى حد كبير.
قال لي: “أنا أهتم كثيرا بعدم قدرتي على المحافظة على وجه جامد لا يعطي أي انفعال”.
ثم أرسلت بريدا إلكترونيا إلى نيل، فقط حتى أتأكد من الأمر. وسألته: ما الذي لا تكترث به؟
أجابني بأنه هذه الأيام يكترث فعلا بشيء معين – على الأقل ذكر لي أنه يهتم بشأن عائلته وأصدقائه. أما بالنسبة للعمل، فهناك ثلاثة أشياء لا يزال غير مكترث بها. الأمور التي لا تهم. والأمور التي تحتاج إلى وقت كبير. والأمور التي تشتمل على الخداع واستغلال الآخرين. باعتبار هذه الملاحظات دليلا على النجاة في عالم الشركات دون أن يتعرض عقل الإنسان للمساس، فهذه أفضل ما يمكن الحصول عليه.

التعليقات معطلة