Pdf copy 1

      فيليب ستيفنز
السياسة البريطانية في قبضة جنون الصيف. حزب العمال تراوده فكرة اختيار عضو البرلمان اليساري المُتشدّد جيرمي كوربن زعيما جديدا للحزب. والمحافظون، التابعون لديفيد كاميرون، لا يكادون يصدقون حظهم الجيد – بشكل كبير بحيث إن رئيس الوزراء قرّر ألا يأخذ أقل من ثلاث استراحات موسمية. فالأمور نادراً ما تكون تماماً كما تبدو.
السياسة الآن عُرضة لما يسمى “التهاب الحاضر”. حيث يتم تصوّر المستقبل كامتداد خطّي لما هو قائم الآن. أولئك الذين كانوا موجودين في الثمانينيات والتسعينيات سيتذكّرون تماماً أن أربعة انتصارات انتخابية متتالية أنشأت فكرة واثقة مفادها أن المُحافظين أُطلِقت أيديهم في داونينج ستريت. لكن توني بلير قلب بذكاء الحكمة التقليدية رأساً على عقب بثلاثة انتصارات خاصة به. مع انجراف المحافظين إلى الشواطئ الأكثر جموحا نحو اليمين السيئ في الحزب، افترض الناس أنهم في المقابل أصبحوا غير مرغوب فيهم في الانتخابات. بعد ذلك جاء الانهيار المالي. تقدّم كوربن الواضح في سباق حزب العمال شهد تأرجحاً آخر في البندول. المحافظون المُتحمّسون يقولون إن انتخابات عام 2020 قد تم الفوز بالفعل. ويقال لنا إن فوز كاميرون في أيار (مايو) كان علامة على تحوّل ثابت في القاعدة الأساسية المركزية للسياسة. الناخبون الذين أشادوا منذ وقت ليس ببعيد بإنفاق حزب العمال الحر على الصحة والتعليم والمزايا أثناء العمل، يُقال إنهم الآن أصبحوا تابعين مُتحمّسين لإقامة دولة تتقلّص أكثر من أي وقت مضى.
اختيار كوربن زعيما للحزب سيكون بدون شك إجراء للتدمير الذاتي بشكل مذهل بالنسبة لحزب العمال. عضو البرلمان المُخضرم ينحدر من شريحة من اليسار المُنغمس في أفكاره ودائماً ما كان يُفضّل إدانة الإمبرايلية الأمريكية بدلاً من النظر في كيفية تحسين فرص الحياة للناس العاديين. وهو لم ينزعج أبداً من خيارات المنصب، إذ إن شعاره هو “هم مقابل نحن” – “هم” تعني الأثرياء، والأقوياء، وفوق كل شيء، الأمريكيون، و”نحن” تعني الشعوب المُضطهدة في أمريكا اللاتينية أو الشرق الأوسط. برنامجه السياسي المحلي يتكون من توجيه الاقتصاد من قبل الدولة على غرار فنزويلا: زيادات كبيرة للضرائب، وعمليات تأميم، ومزيد من الإنفاق على كل شيء باستثناء الدفاع. في الخارج، قد يدعو إلى الانسحاب من حلف الناتو، وربما من الاتحاد الأوروبي. أفعال كوربن المُناهضة للولايات المتحدة هي من النوع الذي يجعل فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، بطلاً. فكرة أن هذا هو بيان تمهيدي للفوز بالانتخابات هي أكثر من خيالية. في حال ظهر كوربن بالفعل زعيما للحزب – وتخميني أن نجمه سيتلاشى – هناك احتمالان: أنه سيُغادر قبل انتخابات عام 2020، أو أن حزب العمال سينشقّ كما حدث في الثمانينيات. ينبغي أن نقول إن كوربن كان محظوظاً بين منافسيه على القيادة. ليز كيندال، الوسطية، كانت تسعى إلى قول الحقيقة لنُشطاء الحزب الذين يريدون سماعها، لكنها تفتقر إلى الثِقل والجاذبية. ما يُسمى مرشّحو “اليسار اللين”، إيفيت كوبر وأندي بورنهام، هما في حالة إنكار بشأن الهزيمة في الانتخابات الأخيرة. جزئياً هذا كان يُمثّل فشل قيادة إد ميليباند؛ إلى حد كبير كان هذا هو السمة المميزة لغياب أفكار اقتصادية ذات صدقية. القضية ضد تفاني حزب المحافظين في سياسة التقشّف (وهناك حجة قوية) تتطلب أكثر من مجرد تأكيدات غامضة بأن النمو الاقتصادي سيعمل على ترتيب الموراد المالية في البلاد.
قد تقول لا يوجد شيء هنا لذر الرمال في وجه كاميرون في الوقت الذي يتأرجح فيه بين شواطئ اسكتلندا، وكورنوال، والبرتغال. مع ذلك، عليك النظر وراء التفاؤل الحالي وستجد تقريباً كثيرا مما هو مُخيف عن صعود كوربن الذي ينبغي أن يُقلق رئيس الوزراء بقدر المجموعة المُتضائلة من الديمقراطيين الاشتراكيين في حزب العمال، الذين يُفضّلون الحكم بدلاً من إثارة إدّعاءات يسارية. فوز كاميرون غير المتوقّع في الانتخابات أطلق ستارا من الدخان يوحي بالاستقرار. من خلال تحدّي استطلاعات الرأي والنقّاد، يبدو أنه ضمن للبلاد خمسة أعوام مع حكومة المُحافظين الهادئة. لكن الواقع عكس ذلك. رئيس الوزراء يقود حزبا مُنقسما مع أغلبية برلمانية هي الأقل. والشقوق والكسور في السياسة البريطانية تتجاوز تماماً المشهد الغريب للمنافسة على الزعامة في حزب العمال. لم تتم الإجابة عن السؤال الكبير الذي طُرح قبل الانتخابات. ولا يزال تمرّد القوميين في اسكتلندا يُهدّد اتحاد المملكة المتحدة، ومستقبل بريطانيا في الاتحاد الأوروبي لا يزال موضع شك، ويُمكن أن ينقسم المُحافظون فيما يتعلق بالمسألة الأوروبية. القوى التي دفعت كوربن على الساحة تُعتبر أيضا بمثابة تهديد لكاميرون. المنافس من حزب العمال هو المستفيد من السياسة الرجعية المُناهضة للمؤسسة والمُناهضة للغرباء التي غذّت صعود الشعبوية من اليمين واليسار في أنحاء أوروبا كافة. هذه هي المشاعر التي سيسعى إلى تسخيرها “المؤيديون لخروج بريطانيا” من حزب المحافظين لهزيمة رئيس الوزراء في الاستفتاء المنتظر إجراؤه على عضوية الاتحاد الأوروبي. كاميرون يريد أن يتم خوض الاستفتاء بناء على صفقة يُجادل أن من شأنها إعادة تقويم علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي. المُناهضون للاتحاد الأوروبي من حزب المحافظين الذين اصطفوا ضده سيتخذون مساراً مختلفاً. أهدافهم ستكون الهجرة، والنخبة في أوروبا، وأي شيء لا يُحبّه الناخبون بشأن العالم الحديث. الأمر هو الموقف الدفاعي الذي يوحّد اليسار المُتشدّد واليمين المُتشدّد – حيث يلتقي حزب سيريزا في اليونان حزب الجبهة الوطنية في فرنسا. وكوربن سيمشي إلى جانب المُناهضين للاتحاد الأوروبي من حزب المُحافظين.منذ وقت ليس ببعيد، كان بإمكان كاميرون أن يأمل أنه حتى إن خسر أصوات العشرات من أعضاء البرلمان التابعين له، فإن حزب العمال وحزب الديمقراطيين الأحرار سيدعمان بقوة القضية المؤيدة للاتحاد الأوروبي. الآن يبدو كأن كثيرين من حزب العمال قد يميلون إلى مُعسكر “الخروج” وحزب الديمقراطيين الأحرار اختفى تقريباً. لذلك ينبغي لرئيس الوزراء أن يستمتع بإجازاته. فقد تكون الأخيرة لبعض الوقت.

التعليقات معطلة