Pdf copy 1

    ديفيد بيلينج
في أحد الأيام من عام 1964، لي كوان يو، رئيس وزراء سنغافورة المؤسِس، نظر خارج مكتبه في قاعة المدينة وشعر بالذعر عندما رأى عدة أبقار ترعى في الخارج. بعد بضعة أيام، أحد المحامين كان يقود سيارته على طريق قريب اصطدم بواحدة من البقرات وماتت. عندها قرّر لي أن يتصرف. مُنح أصحاب الأبقار والأغنام بضعة أشهر كي يضعوا حيواناتهم داخل حظائر. والحيوانات الضالة سيتم ذبحها.
هذه الحادثة تُعتبر أنموذجية بالنسبة إلى الأب المؤسِس لسنغافورة، وللدولة المدينة نفسها، التي في الغالب كانت تتخلّى عن الأيدولوجيا لمصلحة الحلول العملية للمشكلات. في فصل عن “تخضير سنغافورة” في كتاب “من العالم الثالث إلى الأول”، ذكر لي تفاصيل كيف نظف أكشاك الباعة الجائلين غير النظيفة، وقيادة حملات لمكافحة البصق، وحظر الألعاب النارية الخطرة في الاحتفالات بالسنة القمرية الصينية الجديدة، وبدء جهود منهجية لغرس وصيانة الأشجار، حولت سنغافورة إلى واحدة من المُدن الأكثر خُضرة في العالم.
لي، الذي توفي في آذار الماضي عن عمر يُناهز 91 عاماً، عرف أنه حتى قرون من العادات يُمكن إزالتها أو إخراجها من الوجود بالقوة. الأمر القوي الذي نخرج به حين نقرأ مُذكّراته هو بالضبط مقدار الجانب العملي وغير الأيدولوجي في شخصيته. بالنسبة إلى لي، الاشتراكي السابق الذي أصبح مُنفّذ الرأسمالية الموجّهة من الدولة وحتى الديمقراطية الأكثر توجيهاً، شغله الشاغل كان عدم بناء مجتمع مثالي، إنما مجتمع ناجح ومزدهر. “البلد غير المتوقع” الذي ساعد على بنائه، الذي احتفل هذا الأسبوع بعيده الوطني الـ 50، هو بالدرجة الأولى دولة عملية. وأود هنا أن أورد بشكل معدل عبارة صاغها لي، قال فيها “إن الأمة الصغيرة لا يُمكنها أن تتحمّل ترف الشعر، وسنغافورة هي إبداع مكتوب بالنثر”.
طريقته العملية العنيدة لم تكُن هي الشكل السائد في القرن العشرين. في أقصى أحد الأطراف كانت الدول الشمولية، سواء الاشتراكية أو الفاشية، التي كانت تعتمد الأيدولويجيا بأي ثمن – ودائماً ما كان كارثياً. في الطرف الآخر كانت الديمقراطيات الليبرالية، أو “المجتمعات المفتوحة”. في مكان ما في الوسط كان الحُكم الفاسد الجشع ودول المحسوبية الرأسمالية. سنغافورة، إلى جانب عدد قليل من الدول، آسيوية في الغالب، اعتمدت مشروعا وطنيا حقيقيا يهدف إلى رفع مستويات معيشة شعبها. البروفيسور كيشور محبوباني، من كلية لي كوان يو للسياسة العامة، يقول إن المذهب العملي – جنباً إلى جنب مع الجدارة والنزاهة – هو حجر الأساس للتحوّل في سنغافورة. في منتصف الستينيات، عندما كانت حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 500 دولار، يتذكر برنامج تغذية مدرسي كان يتم فيه شرب الحليب من سطل باستخدام مغرفة مشتركة مع الأطفال الآخرين. اليوم، حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 55 ألف دولار. ويقول “المذهب العملي هو كلمة قذرة بالنسبة إلى المُثقّفين في الغرب”، لكنها يُمكن أن تكون مبدأ أخلاقيا، إذا عمل على تحسين حياة الشعوب. بأبسط صورها، هذه الكلمة تعني التعلّم من الآخرين. الإداريون في سنغافورة طافوا العالم من أجل الحلول العملية. صاغوا ميناءهم على غرار ميناء روتردام، وبرامج الإسكان الحكومية على غرار برامج أوروبا. كان هناك كثير من الجدل حول ما إذا كانت الدولة المدينة الصغيرة هذه تحمل دروساً لبلدان أكبر. في فلسفتها الخاصة بالمذهب العملي، بالتأكيد هي كذلك. حتى بلد بحجم الصين، بعد تغيير الاتجاه الذي صممه دينج زياو بينج بدءا من عام 1979، كانت قادرة على تخفيف قيودها الأيديولوجية وتنفيذ سياسات عملية. البروفيسور محبوباني يُجادل بأن الالتزام المُفرط بالأيدولوجيا لا يقتصر على الحكومات الدكتاتورية أو الدينية. ويقول “إن رفض الولايات المتحدة الاعتراف بأنها تستطيع تحسين خدمة الرعاية الصحية “الكارثية” فيها من خلال التعلّم من الآخرين هو دليل على الأيديولوجيا التي تعُمي الأبصار”. وعندما يتعلق الأمر بالسيطرة على السلاح، “فإن الولايات المتحدة غير عملية بقدر كوريا الشمالية”. المذهب العملي يأتي مقابل ثمن. فبقدر ما يسعى إلى تشكيل سلوك وقيم الناس، إلا أنه أيدولوجيا في حد ذاته. لقد اختار لي السياسات السيئة إلى جانب السياسات الجيدة. فقد شجع العائلات الصغيرة وتنفيذ شكل خفيف من أشكال تحسين النسل، من خلال عدم تشجيع الأزواج ذوي التعليم الأقل على إنجاب أطفال. اليوم، سنغافورة عالقة بمعدل إنجاب منخفض بشكل كارثي. كذلك طارد المُعارضين، باستخدام قوانين التشهير والمحاكم، لإسكات المُنتقدين. الشكل الناتج من “الدولة مكيَّفة الهواء”، بحسب تعبير المحلل السياسي، شيريان جورج، يُصدر أصواتاً مُتقطعة كأنها آلة. كما أنها تفتقر أيضاً إلى ثراء النقاش، والاختلاف، والمُعارضة.
هُو كوان بينج، رئيس مجلس إدارة شركة الفنادق، بانيات تري، يصف سنغافورة بأنها “العالم الأول ناقص” first world-minus. في سلسلة غير عادية من المحاضرات، يؤكّد ضرورة وجود “فصل ثان من معجزة سنغافورة العظيمة هذه”. التجديد سيعني تطوير مجتمع أكثر شمولية، حيث العوالم الاجتماعية والثقافية والسياسية تزدهر. وسيعني أيضاً أن حزب العمل الشعبي، الذي يحكم البلاد منذ الاستقلال، سيضطر إلى التفكير في التنازل عن السلطة لقوى خارج النظام المرسوم ذاتياً. هو كوان يرى سبباً للتفاؤل في جيل شاب مُستعد لطرح الأسئلة والتحقيق – وجيل، فوق كل شيء، يعتقد أنه يملك القوة للمطالبة بالتغيير.لي وجيله جعلوا سنغافورة تعمل، وتعمل جيداً بشكل مذهل. ما هو مطلوب الآن، في عبارة هُو كوان “الإزهار من حديقة سنغافورة”.

التعليقات معطلة