جيفان فاساجار
عندما سجلت أنجيلا ميركل الأسبوع الماضي زيارتها الأولى إلى ملجأ للاجئين منذ أن أصبحت مستشارة قبل عشرة أعوام، علت صيحات الاستهجان من المتظاهرين من اليمين المتطرف وصرخوا Volksverräterin، أي خائنة للشعب. بعد مغادرة مركز طالبي اللجوء في هيديناو يوم الأربعاء، شجبت ميركل موقف المحتجين. قالت، وهي تقف في موقع اشتبك فيه المتطرفون اليمينيون مع الشرطة في عطلة نهاية الأسبوع الماضي: “لن يكون هناك أي تسامح مع أولئك الذين يشككون في كرامة الأشخاص الآخرين”. زيارة ميركل للبلدة القريبة من درسدن أبرزت نوعين من التحديات التي تواجه بلادها: وصول أعداد قياسية من طالبي اللجوء، ورد الفعل العنيف من جانب اليمين المتطرف.
المســتشارة، المـــشهورة بحذرها، كانت صريحة عندما تعلق الأمر باللاجئين، والعرق، والوجه المتغير لألمانيا. وجاءت تدخلاتها في بعض الأحيان بنتائج عكسية. في الشهر الماضي، عجزت عن الكلام عندما انفجر مراهق فلسطيني يواجه الترحيل باكيا على شاشات التلفزيون. وتعرضت لانتقادات على وسائل الإعلام الاجتماعية لتباطئها في الرد على العنف في هيديناو. لكن عموما، يقول محللون إنها وجهت النقاش في اتجاه ليبرالي، متحدية اليمين المتطرف وفي الوقت نفسه تتحرك ببطء كاف لتجنب مفاجأة القاعدة المحافظة الخاصة بها.
منذ بداية العام، أدانت ميركل حركة بيجيدا المناهضة للأسلمة ودافعت عن الإسلام باعتباره دينا “ينتمي إلى ألمانيا”. وفي حزيران (يونيو)، تحدثت في احتفالات الذكرى الـ 70 لحزبها، الاتحاد الديمقراطي المسيحي، وأخبرت الزملاء أعضاء الحزب: “نحن ثاني بلاد أكثر شعبية فيما يتعلق بالهجرة في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. الاتحاد ليس متحمسا جدا للتحدث عن الأمر، لكننا سنتعلم فعل ذلك”.
ويقول محللون إن تبنيها الحذر تجاه للهجرة يناسب استراتيجيتها السياسية لاحتلال مركز الوسط. في وقت سابق من هذا العام، طرح الاتحاد الديمقراطي المسيحي فكرة قانون الهجرة، من خلال إيجاد وسيلة قانونية واضحة للهجرة من خارج الاتحاد الأوروبي. مثل هذه الخطوة من شأنها تعزيز احتمالات تشكيل ائتلاف في المستقبل بين المحافظين التابعين لميركل وحزب مناصري البيئة المؤيدين للهجرة. ومن شأنها أيضا المساعدة في معالجة الانخفاض في عدد السكان في سن العمل في ألمانيا، الذي يتوقع أن ينخفض بشكل حاد في العقود المقبلة.
ستيفين أنجينيند، مختص الهجرة في الشركة الاستشارية SWP، قال إن طريقة تعامل ميركل مع اللاجئين كانت مميزة لأسلوبها في إدارة الأزمات. “إنها لا تتعجل، وتحاول تجنب الوقوع في خطأ، حتى اللحظة الدقيقة التي ترى فيها أنها تستطيع التعامل مع الأمر. في النقاش حول اللجوء، تلك اللحظة وصلت”.
تتوقع ألمانيا أن يصلها 800 ألف طالب لجوء هذا العام، أكثر من كل الاتحاد الأوروبي مجتمعا في عام 2014. ويجري فتح مراكز استقبال جديدة في أنحاء البلاد كافة، وهي تمتلئ بسرعة. المركز في هيديناو، الذي افتتح قبل أكثر من أسبوع، يؤوي الآن 575 لاجئا، أكثر من نصفهم من سورية.
وفي حين أن كثيرا من الألمان استجابوا بمظاهر التضامن – التبرع بالملابس للاجئين وحتى تنظيم حملات توصيل الآيس كريم – إلا أن ملاجئ طالبي اللجوء تعـــــرضت في النصف الأول من هذا العام إلى 200 هجوم، تراوح من رسم الرموز الــــنازية إلى حــــرق المـــباني.
كريستين كريياك، واحدة من المحتجين خارج المركز في هيديناو، قالت: “هناك الكثير من الأشخاص يأتون إلى ألمانيا. ألمانيا تبدو مزدهرة من الخارج، لكن نحن نعاني. لماذا تذهب الأموال إلى اللاجئين، بينما نحتاج إليها نحن؟”. وأضافت مصففة شعر الحيوانات الأليفة، أنها ليست نازية، وأدانت أعمال الشغب في عطلة نهاية الأسبوع الماضي حين اشتبك المتظاهرون – بعضهم كان يصرخ “يحيا هتلر” – مع الشرطة.
من الواضح أن التوترات عالية. فمع وصول ميركل صاح الحشد “هناك أموال لكل شيء، لكن ليس لشعبك”. مثل هذا الاستقبال العام المعادي أمر نادر بالنسبة للمستشارة الألمانية، السياسية التي بلغت شعبيتها 67 في المائة وفقا لاستطلاع للرأي أجرته “إنفراتيست ديماب” في أواخر تموز. لكن يبدو أن وجهات نظرها – باستثناء أقلية من المحتجين من اليمين المتطرف – تتناغم مع وجهات نظر الشعب الألماني.
استطلاع للرأي الأسبوع الماضي أظهر أن 60 في المائة من الشعب الألماني يعتقد أن البلاد “بإمكانها التعامل مع” المستوى العالي من اللاجئين. الاستطلاع الذي تم إجراؤه لشبكة ZDF بعد نشر آخر التوقعات لأعداد طالبي اللجوء، أظهر أن 86 في المائة يعتبرون ألمانيا “بلاد الهجرة”. والحقيقة التي لمصلحة ميركل هي أن “بيلد”، الصحيفة اليومية الأكثر شعبية في ألمانيا، تقدم تغطية أكثر توازنا للاجئين من الصحف الشعبية في غيرها من البلدان الأوروبية.
مع ذلك، الشكوك لا تزال موجودة. توبياس شولتايس، أحد سكان هيديناو، قال: “كان ينبغي أن تأتي في وقت أبكر. أنا لا أعتقد أن المستشارة تستطيع حل هذا الأمر بسهولة لكن من الجيد أنها هنا لتظهر أنها مهتمة بالأمر”.
خارج ألمانيا، أدى الارتفاع في عدد الرعايا الأجانب الباحثين عن عمل في بريطانيا إلى دفع صافي الهجرة إلى رقم قياسي مرتفع بلغ 330 ألف شخص، متجاوزا ارتفاعا تحقق في ظل حكومة العمال السابقة.
وتمثل بيانات نشرها مكتب الإحصائيات الوطنية، ارتفاعا أكثر من الثلث خلال العام الماضي، وهي نكسة ساحقة لوعود رئيس الوزراء، ديفيد كاميرون، المتجددة بخفض الرقم إلى “عشرات الآلاف”. وفي حين ارتفعت الهجرة بمقدار 84 ألف شخص إلى 636 ألف شخص في السنة المنتهية في آذار (مارس) من عام 2015، انخفضت الهجرة بشكل طفيف بمقدار تسعة آلاف لتصل إلى 307 آلاف. النمو في أعداد الوافدين كان مدفوعا بزيادة ملحوظة في هجرة مواطني الاتحاد الأوروبي، التي ارتفعت أكثر من الربع لتحقق رقما قياسيا بلغ 269 ألف. على سبيل المقارنة، ارتفعت هجرة المواطنين من غير الاتحاد الأوروبي بنسبة 9 في المائة فقط لتصل إلى 284 ألف. وتجاوز الرقم الصافي الارتفاع السابق الذي بلغ 320 ألف شخص في عام 2005، الذي جاء بعد توسع الاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية. هذه الزيادة الأخيرة تعكس مدى جاذبية المملكة المتحدة للباحثين عن عمل في الوقت الذي ينتعش فيه الاقتصاد: في المجموع، جاء 290 ألف شخص إلى بريطانيا من أجل العمل، وهو ما يشكل ارتفاعا بنسبة 29 في المائة عن العام الماضي.
ويفرض الارتفاع في أعداد الوافدين ضغوطا جديدة على حزب المحافظين الحاكم، الذي جدد هذا العام طموحاته لتخفيض صافي الهجرة إلى ما دون 100 ألف، رغم فشله في تحقيق هذا الهدف خلال البرلمان السابق. وتشتمل خطط تخفيض الأعداد على التشديد على الشركات ليصبح من الأصعب توظيف عمال مهرة من خارج الاتحاد الأوروبي، مع قول رئيس الوزراء إن الوضع في الماضي كان “بصراحة سهلا فوق الحد”. والتزم رئيس الوزراء بمعالجة الارتفاع في أعداد مهاجري الاتحاد الأوروبي وذلك عن طريق الضغط لإعادة التفاوض بشأن حرية قواعد التحركات داخل التكتل. وفي الوقت نفسه، يعمل على جعل المملكة المتحدة وجهة أقل جاذبية عن طريق تخفيض كل من مزايا العمل أثناء الخدمة وإمكانية الوصول إلى الرعاية الاجتماعية لأولئك الذين لا يملكون عملا. ولا تزال البلدان الـ 15 التي تشكل “الاتحاد الأوروبي القديم” – مثل ألمانيا وإسبانيا وإيطاليا – تمثل الفئة الأكبر من المهاجرين الأوروبيين، الذين يمثلون 116 ألف وافد في السنة المنتهية في آذار (مارس) 2015. وارتفع بشكل هامشي عدد الوافدين من بلدان أوروبا الشرقية الثمانية التي انضمت إلى الاتحاد، من 60 ألفا إلى 72 ألفا، بينما تضاعف عدد القادمين من رومانيا وبلغاريا تقريبا ليصل إلى 53 ألف شخص خلال الفترة نفسها. وتشمل التدابير الحكومية الأخيرة لمكافحة الهجرة فرض قيود جديدة على المهاجرين غير الشرعيين وأرباب العمل الذين يوظفونهم. وهذا جزئيا يعد استجابة للأزمة في مرفأ كاليه الفرنسي، حيث يخيم آلاف المهاجرين من إفريقيا والشرق الأوسط على أمل عبور القناة إلى المملكة المتحدة. وبمجرد وصولهم إلى بريطانيا، يعتزم كثير من هؤلاء طلب اللجوء.

