Pdf copy 1

المستقبل العراقي /قيصر مؤيد 
إن من اصعب المشاعر التي تنغص على الانسان سعادته في هذه الحياة الدنيا هو الإحساس بالفشل والاحباط نتيجة عجزه عن تحقيق هدف معين يصبو إليه. 
والحقيقة ان استشعار الم الفشل أمر لا يسلم منه الإنسان في حياته ، فرسوب التلميذ في صف من الصفوف في المدرسة يمكن ان يترك اثرا لا يزول مهما تبعه من نجاحات في السنوات اللاحقة، وكذلك عجز الطالب عن التسجيل في الاختصاص الذي يريده في الجامعة، و فشل الباحث عن عمل في ايجاد وظيفة تتناسب مع شهاداته ومؤهلاته،كل هذه الأمور تجعل الحياة سوداء في نظر بعض الناس الذين يعتقدون أنهم إذا فشلوا مرة واحدة فسيفشلون كل مرة، وأن الحياة لن تبتسم لهم من جديد . إن تعاظم مشكلة الفشل لدى البعض تنتج عن عوامل عدة ..والفشل عموما كلمة صعبة يختلف الأشخاص في التعامل معه، فهناك من يسيطر عليه الإحباط والكآبة ويرى بأن فشله نهاية المطاف، وهناك أشخاص يسعون لتحويل هذا الفشل لنقطة بداية النجاح في حياتهم بالتعلم من أخطاء الماضي، فكل شيء ممكن تحقيقه بالإرادة والعزيمة.
فمثلا لم يستطع السيد  أبو ماجد “ 42”سنة،تجاوز انكساره في مشروع أقدم عليه وخسر جراءه مبلغا نقديا كان قد ادخره وزوجته، واعتبر هذه المحطة هي الأخيرة في حياته لا يمكن تخطيها أو الاستفادة منها في حياته.
تقول زوجته بأسف “لا أعلم ماذا حدث لزوجي بعد هذه التجربة القاسية، فرغم استلامه لعمل ثابت في إحدى الشركات إلا أنه يشعر بأنه فاشل، ورغم أن المسؤولين عنه يقدرون عمله ويعتبرونه موظفا ناجحا، ولكن جميع هذا لم ينسه خسارته ويصر دائما على أنه شخص فاشل”.
وتضيف “حاولت إقناعه بأن الأمور ليست كما يصفها أو كما يصف نفسه، وهناك كثير من الأشخاص خاضوا تجارب وفشلوا بها وكانت مفتاح نجاحهم، إلا أنه لا يقتنع ووصل به الأمر إلى أن يصاب بالاكتئاب المرضي الذي جعله يحتاج لأن يتناول أدوية معالجة له، ويعيش الآن حياة سلبية بسبب هذه المشاعر السلبية التي تسكنه”.
أما المواطن صهيب سالم (38 عاما) فقد استفاد من فشله بالسفر للخارج للعمل والتخلي عن وظيفته الحكومية في إحدى المؤسسات، واستطاع تجاوزها والنهوض من جديد لمواصلة الحياة وتخطي أزمته بعقلانية وإيجابية.
يقول “لا أنكر مدى الإحباط والشعور باليأس الذي أصابني لدى عودتي من السفر، فلا وظيفة أمامي ولدي متطلبات عديدة لتأمين احتياجات أسرتي، وبدأت البحث عن عمل جديد بوظيفة ثابتة ولم أحظَ بها، مما دفعني للتفكير بالاستفادة من الهواية التي أجيدها في تصليح أعطال الهواتف الخلوية ونجحت في ذلك ووصلت لما أنا ما عليه الآن لدي محل لبيع وتصليح الأجهزة الخلوية”.
ويعرف الاختصاصي النفسي د. خليل العبيدي الفشل بأنه حالة معرفية وجدانية تنتاب الفرد لإدراك عجزه في تحقيق وإشباع حاجة معينة أو هدف كان يصبو لتحقيقه، لوجود عائق أو عقبة تمنعه من الوصول لذلك الهدف، وهذا الشعور يختلف من فرد إلى آخر فهو أمر نسبي يحدد معاييره الشخص نفسه.
يقول “يختلف شعور الفشل من فرد لآخر وهذا يعتمد على شخصية الفرد نفسه، ومفهوم الفشل بالنسبة له وفي الوقت ذاته مدى أهمية الهدف الذي أخفق في تحقيقه، فالشعور بالفشل يتوقف على ما يعطيه الفرد للموقف من أهمية وقيمة، ومدى حاجته لتحقيق تلك الرغبة، وهذا يعتمد على ما تتمتع به الشخصية من سمات قوة الإرادة وحب النجاح”.
ويضيف “الفشل بحد ذاته أمر طبيعي وهو مقدمة من مقدمات النجاح، ولكن للأسف هناك مدلولات نفسية للكلمات، نقوم نحن بصناعتها بأنفسنا بسبب الثقافة العامة الشائعة في المجتمع، فحين تذكر كلمة الفشل يتبادر للذهن صورة الانكسار والحسرة والضعف والشفقة وهذا هو الخطأ في تعاملنا وتفكيرنا تجاه الفشل”.
وتعتبر نور الفارس (32 عاما) فشلها في تجربة الزواج الأولى نهاية الكون، التي قررت حيالها عدم التفكير أو الخوض في فكرة الزواج مرة أخرى، متناسية الوقوف على أسباب الخلاف والطلاق في تجاوز هذه العقبة في حياتها.
تقول “لم يكن زواجنا تقليديا، بل كان أحد زملائي في العمل، واعتقدت أنني عرفته جيدا، ولكن سرعان ما ظهرت جوانبه السلبية في التفكير والتعامل بعد الزواج، وعليه تم الطلاق، وبفضل الله لم أرزق بالأبناء لمدة عام واحد، وأرى أن يعيش الإنسان بمفرده أفضل من الارتباط هذه الأيام”.
طالبة الثانوية العامة علياء حامد لم تيأس من فشلها في خوض الامتحانات قبل عامين دراسيين، فلم تستكمل متطلبات النجاح في العام الأول، وكان المعدل العام متدنيا جدا، ولم يكن منها سوى شحن الهمة من جديد والوقوف على أسباب الرسوب.
تقول “حزنت كثيرا لرسوبي بادئ الأمر، لكنني استطعت تكثيف عدد الساعات الدراسية، والاستعانة بالآخرين في بعض المواد، وبفضل الله نجحت وحصلت على معدل لا بأس به أهلني لدخول الجامعة ومواصلة التعليم العالي”.
ويلفت استشاري الاجتماع الأسري مفيد سرحان إلى أن الإنسان يجب أن تكون له أهداف يسعى إلى تحقيقها الذي يحتاج إلى خطة وعمل ووقت، ولكي يستطيع الإنسان أن يحقق ما يريد عليه أن يبرمج أوقاته أولا، ويسعى إلى أن يستفيد من وقته وأن تكون طموحاته واقعية، وأن يمتلك القدرة على تحقيق ما يريد، ولا شك أن الإنسان يمر بظروف مختلفة منها ما يساعده على تحقيق ما يريد ومنها عكس ذلك، والمهم أن يبقى الإنسان متفائلا حريصا على الإنجاز وتحقيق الأهداف.
ويضيف “وإن تعرض في بعض الأحيان إلى انتكاسة أو (فشل) في تحقيق ما يريد، فإن ذلك يجب ألا يكون مانعا في استمراره في العمل والمحاولة بل أكثر من ذلك عليه أن يدرك الأسباب التي أدت به إلى عدم تحقيق أهدافه سواء كل الأهداف أو بعضها بمعنى أن يقيم عمله وخططه باستمرار، والإنسان الناجح لا يعرف الفشل أو الاستسلام بل إننا نجد أناسا مبدعين ومتميزين رغم صعوبة ظروفهم المادية والاجتماعية، لأنهم امتلكوا الإرادة والعزيمة والقدرة والتصميم على الإنجاز”.
والاستسلام للفشل له آثار سلبية ليس فقط على الشخص بل على الأسرة والمجتمع، وفق سرحان، ولا بد أن ندرب أنفسنا على عدم اليأس واستمرار المحاولة والاستفادة من الأخطاء، كما أن علينا أن نستفيد من تجارب الآخرين سواء الناحح منها أو غير الناجح لأن فيها مصدرا كبيرا للفائدة وهناك من النماذج الناجحة ما ينبغي الاقتداء به والسير على خطاه، وهذا يوفر على الشخص الوقت ويعطيه قدرة على الإنجاز بشكل أكبر، ومن المهم أن نغرس مثل هذه المعاني في نفوس الأطفال والشباب وأن نعلمهم كيف يبنون على النجاح وكيف يصلون إلى القمة، وعدم الياس أو الاستسلام.

التعليقات معطلة