كمال الجزولي
ليلة الخامس من فجر السادس من إبريل/نيسان 1985م حاول نظام النميري الآيل، يومها، للسقوط، أن يستل، كما الحواة، من جرابه، آخر حيلة كانت تتشبث بها سلطته، في مواجهة شعب حمل عليه، تاريخئذٍ، بانتفاضة عارمة، فلجأ للاستغاثة، آخر الليل، بأمريكا، لترسل قوات انتشارها السريع من قواعدها المتوسطية أو الشرق إفريقية كي تسيطر على الشارع، متحججاً بأن ثمة غزواً ليبياً للبلاد سيستغل حالة الفوضى ليقع خلال الساعات القادمة، غير أن «الصديقة الراعية الكبرى» فاجأت النظام بدحضها الاستخباراتي اليقيني لحجته، وباعتذارها، من ثم، عن عدم قدرتها، بل، وحسب ضابط الاتصال من طرف ال «سي آي إيه» بالسفارة بالخرطوم، عن عدم قدرة أية قوة في الأرض على فعل أي شيء إزاء المصير المحتوم، فالنهاية كانت قد أزفت «game over»، على حد تعبيره.
هكذا انتصرت انتفاضة 1985م الجماهيرية لأن «الحد الأدنى» من عوامل انتصارها كانت قد توفرت، وفي مقدمة ذلك، فضلاً عن انحياز القوات النظامية لها، توحد قواها السياسية والمدنية حول «ميثاق التجمع الحزبي والنقابي» الذي كفل، بدرجة معقولة، وحدة الهدف القريب المتمثل في الإطاحة بأحد أقوى الأنظمة الشمولية، وقتها، في إفريقيا والشرق الأوسط.
على أن ذلك «الحد الأدنى» كان أدنى من أن يضمن استمرار واستقرار ذلك الانتصار. فالثورة التي كانت مشتعلة، وقتها، في الجنوب، والتي لطالما صورتها بروباغاندا النظام كمحض نشاط عميل لدول أخرى، ولقوى أجنبية، اعتبرت، في نظر «التجمع»، ملحقة بانتفاضة الشمال، بما يعني أن انتصار الأخيرة انتصار لثورة الجنوب، ضربة لازب، ومن ثم لم تعمل على اجتذاب، أو حتى التنسيق، مع ثورة الجنوب، حتى فوجئت بها تتهم السلطة التي تكونت في إثرها بأنها «مايو الثانية May Two»، فكان ذلك أول الوهن الذي لازم تجربة الديمقراطية الثالثة حتى افترسها غول الثلاثين من يونيو 1989م، ثم ما انفك يتواصل حتى أفضى لانفصال الجنوب في 2011م.
دروس كثيرة وفرتها انتفاضة إبريل، لعل أهمها ثلاثة شديدة التشابك حول جدل «الداخل والخارج»، ورابعة تتمحور حول جدل «المركز والهامش»: أول هذه الدروس أن من قبيل الوهم تعويل أنظمة الدول الصغرى على حماية القوى الخارجية الكبرى لها، أوان الأزمات، مقابل أن تيسر لهذه القوى تحقيق مصالحها فيها بسلاسة. فالأخيرة قد تفعل ذلك إن كشف «ميزان القوة» عن ضعف على جانب الحراك الشعبي في الدول الصغرى، لكنها، أيضاً، قد تعيد حساباتها، فتحجم عن التدخل، فيما لو قدرت أن تدخلها مضرٌ بمصالحها المستقبلية. أما الدرس الثاني فهو أنه لا يمكن لقوى المعارضة في الدول الصغرى إنجاز أي من أهدافها، إن هي لم توازن بدقة بين قوة العامل الذاتي ودور العامل الخارجي، فراحت تستهين، من جهة، بدور العامل الخارجي، أو تضع نفسها، من جهة أخرى، تحت «رعاية» العامل الخارجي، أو تكتفي، من جهة ثالثة، بمحض الشكوى من نوايا العامل الخارجي، وأما الدرس الثالث فهو أن هذا العامل الخارجي يستحيل أن يكون حاسماً بالنسبة لقضايا الداخل، في الدول الصغرى، إلا إذا ارتخت قبضة القوى الوطنية في هذه الدول على هذه القضايا. وأما الدرس الرابع فهو أن اهتمام المعارضة بقضايا المركز وحدها، متصورة أن الاستجابة لقضايا الهامش ستتلو، بالضرورة، من تلقاء نفسها، لهو ضرب من استتباع الهامش subordination، وإن على نحو آخر.
ثمة، في الراهن السوداني، ثلاثة حراكات هامش، في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، ضمن المجابهة العامة بين النظام ومعارضيه. أكثر هذه الحراكات شبهاً بالحراك الجنوبي السابق، هو الحراك في دارفور، والذي ربما كان هو الأخطر على «وحدة السودان»، حسب ملاحظات البروفيسير أوفاهي السديدة، المنشورة عام 2006م، في دورية جامعة تفتس الأمريكية «منتدى فليتشر للشؤون الدولية The Fletcher ؤForum of World Affairs»، وترجمها بدر الدين الهاشمي بموقع «الراكوبة» الأغر في العام الماضي. فتاريخ دارفور مع «السودان الموحد» أقصر من تاريخ الجنوب معه، حيث كان الإقليم، أصلاً، دولة مستقلة، ولم يصبح جزءاً من السودان الحالي إلا بعد 1916م، كما ولم تنضم إليه دار مساليت إلا بعد نهاية الحرب الأولى، في حين انصب اهتمام البريطانيين، بالأساس، لدى استعمارهم السودان في 1898م، على استمساكهم بالجنوب كجزء من البلاد، وإعاقة وصول الفرنسيين إليه، مما أفضى إلى المواجهة الخطرة بين القوتين الاستعماريتين في فشودة.
وقد كتبنا، مراراً، منبهين إلى بروز ظواهر التهديد، مؤخراً، بحق تقرير المصير لدارفور، ومحذرين، تكراراً، من أن عدم إيلاء الاهتمام الكافي لقضايا الإقليم، قد يجعل من الواقع التاريخي لحداثة انضمامه إلى السودان عاملاً سالباً بالنسبة لاستمراره جزءاً لا يتجزأ منه، مما يهيئ لإعادة إنتاج تجربة الجنوب المريرة بصورة أكثر سلاسة هذه المرة.
في قراره رقم 539، بتاريخ 25 أغسطس/آب 2015م، حظيت دارفور بنصيب وافر من اهتمام مجلس السلم والأمن الإفريقي. وبثنائه المخصوص على الآلية الإفريقية الرفيعة، وعلى أعضائها فرداً فرداً، بدا القرار كرد فعل دبلوماسي عقابي على الموقف السلبي غير المحسوب للحكومة وحزبها، واللذين عبرا، أواسط أغسطس المنصرم، على أكثر من مستوى، وفي أكثر من مناسبة، عن تقليلهما من جهود الاتحاد الإفريقي، وإساءتهما لآليته الرفيعة، بل وإعلانهما الاستغناء عن هذه الجهود، بما في ذلك، بطبيعة الحال، تلك التي تنصب على دارفور.
ذلك الموقف العدمي أتاح فرصة نادرة للمعارضة حققت، عبرها، مكاسب كبيرة، أبرزها اجتماعها غير المسبوق مع المجلس عشية صدور القرار، واجتماعها، قبل ذلك، بتابو أمبيكي، رئيس الآلية الإفريقية الرفيعة، وبهايلي منغريوس، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة، حيث عرضت وجهة نظرها باستفاضة، وقدمت تنويراً شاملاً حول القضايا التي تشكل أجندة المجلس والآلية الرفيعة، وعلى رأس ذلك رؤيتها لقضايا السلام والحوار القومي الدستوري، مؤكدة رفضها لما يسمى ب «حوار الوثبة» الذي يسيطر عليه النظام وحزبه، واستعدادها للتنسيق مع كل الجهات الوطنية، والإقليمية، والدولية، الراغبة في عقد الحوار على شروط الحل الشامل، ووقف الحرب، وتوفير الحريات، وإخلاء المعتقلات، وتوصيل الإغاثة، والقبول بعملية انتقالية متكاملة.
أما فيما يخص أزمة دارفور، فتكفي الإشارة إلى أن المجلس أقر بأن علاجها لا يكون إلا في إطار عملية وطنية شاملة تخاطب تحديات إرساء الديمقراطية، واحترام حقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدولي، وتهيئة ظروف العودة الآمنة، والطوعية، والكريمة، للنازحين واللاجئين إلى ديارهم، ومعالجة قضايا السلام، والدستور، والوحدة، والحكم، والاقتصاد، والحقوق، والحريات، والهوية الوطنية، والعلاقات الدولية، وأن أي مفاوضات، بهذا المعنى، بين الحكومة والحركات الدارفورية، ينبغي أن تتم بنهج عملية واحدة ذات مسارين، استهدافاً ليس فقط لإنهاء أزمة الإقليم، وإنما لإنهاء جميع الصراعات العنيفة في البلاد.
الانتفاضة، على غرار إبريل/نيسان 1985م، والتي تأخذ في اعتبارها درس حراك الهامش، هي حقٌ للشعب، في باب التغيير، لا يمكن أن يماري فيه أحد. لكن إذا أتيحت، في نفس الوقت، فرصة لحل تفاوضي عادل، يؤخذ فيه بالشروط السياسية للمعارضة الوطنية، ويدعمه ثقل دولي وإقليمي معتبر، فليس من الحكمة رفضه.

