جيم بيكارد
في تموز (يوليو) 1983، سجل جيرمي كوربين أول ظهور له في مجلس العموم، من خلال مهاجمة حكومة مارجريت تاتشر بسبب الأجور المنخفضة، وتخفيضات خدمة الصحة الوطنية، والبطالة المُستوطنة. قال “إن المقاعد الخضراء لمجلس الوزراء الديمقراطي في بريطانيا كانت تبدو بعيدة بمقدار مليون ميل عن منطقته الانتخابية المتعبة في لندن، الممثلة في إيزلينجتون نورث”. وقال، “يجب أن تتحقّق العدالة للذين هم أسوأ حالاً والعاطلين عن العمل في مناطق مثل الدائرة الانتخابية التي أمثّلها”. تم تجاهُل خطاب كوربين الأول إلى حد كبير وخلال الأعوام الـ 32 التالية كان مرفوضاً على نطاق واسع باعتباره شخصا غريبا يقع على هامش السياسة البريطانية.
الأسبوع الماضي، في واحد من التقلّبات الأكثر جرأة في تاريخ السياسة البريطانية الحديث، ملايين الناس رأوا رجلا ملتحيا يبلغ من العمر 66 عاماً يتحدث أمام مجلس العموم – هذه المرة زعيما لحزب العمال المُعارض – لتسليم رسالة مماثلة لافتة للنظر.
المُتمرد المُتسلسل الآن هو على رأس حزب قدّم سلسلة من رؤساء الوزراء السابقين: كليمنت أتلي، وهارولد ويلسون، وجيمس كالاهان، وتوني بلير، وجوردن براون.
تميّز انتخابه يوم السبت من الأسبوع الماضي بنهاية فصل الصيف الذي بدأ بهزيمة حزب العمال القاسية في الانتخابات العامة في أيار (مايو) من قِبل حزب المحافظين برئاسة ديفيد كاميرون واستقالة الزعيم السابق، إد ميليباند.
كوربين دخل المسابقة اللاحقة على الزعامة باعتباره اليساري الرمزي، وبالكاد حصل على الدعم الكافي من زملائه أعضاء البرلمان ليدخل ورقة الاقتراع. لكنه خاطب حشودا مُكتظّة في كافة أنحاء البلاد وولّد موجة من الحماس بين النشطاء – على الرغم من إلقائه ضعيف المستوى المليء بالبرامج السياسية – مع تسجيل عديد من الأشخاص في الحزب لأول مرة. وقد فاز بنسبة 60 في المائة من الأصوات النهائية، متفوّقاً على منافسيه الثلاثة بسهولة.
لحظته التي تُشبه أحداث قصة سندريلا تُردّد صدى صعود بيرني ساندرز، المُرشح الرئاسي الديمقراطي المُنشق في الولايات المتحدة، ونجاح الحزبين المُناهضين لسياسة التقشف، “سيريزا” و”بوديموس” في اليونان وإسبانيا.
الفرق هو أنه غريب يقود الآن حزبا من باطن السياسة البريطانية: وهو حزب حكم لمدة 13 عاماً من الأعوام الـ 18 الماضية. منذ أكثر من قرن، كير هاردي حوّل حركة العمال المُجزأة إلى حزب سياسي قادر على الفوز بالانتخابات. حزب العمال برئاسة أتلي أسس دولة الرعاية الاجتماعية وخدمة الصحة الوطنية في فترة ما بعد الحرب، وفاز أخيرا بثلاثة انتخابات متتالية في عهد الزعيم الوسطي، بلير. لكنه ظل خارج السلطة منذ عام 2010.
الآن، في انعكاس غريب، كوربين يحاول بذل جهود كبيرة لإعادة الحزب مرة أخرى ليكون حركة سياسية: مكافحة عدم المساواة، ورفض تدابير التقشف، وانتقاد تجاوزات المصارف والشركات الكبيرة. عمل على تنشيط مؤيديه اليساريين، السعداء الآن باحتمال نشوء معارضة غريزية أكثر لحزب المُحافظين الحاكم.
يقول مارك سيروتكا، الأمين العام لاتحاد الخدمات العامة والتجارية اليساري “طوال حياته المهنية، لم يكُن جيرمي شخصا مهتما بدائرة الأضواء. يتظاهر المُحافظون أنهم مسرورون بكونه الزعيم، لكنهم يُعبّرون عن ذلك فقط للحفاظ على معنوياتهم عالية”.
لكن كوربين يواجه تحدّيات هائلة. أحد هذه التحديات هو كسب قلوب وعقول 49 مليون ناخب مُحتمل – الذين قد لا يؤمنون بعلامته التجارية الاشتراكية المُتطرفة القديمة. لكن على المدى القصير يحتاج أيضاً إلى الفوز بدعم أعضاء البرلمان التابعين لحزبه.
من المُمكن أن يتوقع بعض الانتصارات التكتيكية في الأشهر المقبلة: يخشى كبار المسؤولين في حزب المُحافظين من رد فعل عنيف في نيسان (أبريل) المُقبل مع بدء تخفيضات الرعاية الاجتماعية – التي يُعارضها كوربين. خطابه عن مساعدة اللاجئين السوريين ربما يكون قد توافق بشكل مؤقت مع الجمهور. لكن حزب العمال خسر الانتخابات في أيار (مايو) إلى حد كبير، لأنه كان يُنظر إليه على أنه مُناهض للشركات وغير مسؤول فيما يتعلق بالموارد المالية العامة.
يقول إيان أوستن، عضو البرلمان من حزب العمال “في أيار (مايو)، قدّمنا إلى الناس البيض والبطاطا المقلية. من الواضح تماما أنهم رفضوا. لذلك غداً سنُقدّم كميات مُضاعفة من البيض والبطاطا المقلية”.
وعلى الرغم من الدعم الشعبي، إلا أن كوربين شخصية معزولة داخل حزب العمال البرلماني: أقل من 10 في المائة من أعضاء البرلمان من حزب العمال دعموه للزعامة. “لقد حل الظلام”، هكذا وصف أحد الأعضاء من حزب العمال الأحداث. “الأمور تتهاوى”.
المحاولات من قِبل الزعيم الجديد لفرض إرادته على سياسة الحزب ستكون مُرهقة، نظراً لقاعدة دعمه الضيّقة في مجلس العموم. يقول بول ريتشاردز، المؤسس المُشارك لمجموعة بليرايت بروجريس “كوربين ليس (…) إقطاعياً. عندما يتعلّق الأمر بالسياسات، حزب العمال لا يتغيّر على الفور”.
التعديلات البريطانية عادةً ما تستغرق يوما واحدا. لكن محاولات كوربين لإيجاد ما يكفي من أعضاء البرلمان لملء ما يُقارب 100 “شاغر في المقاعد الأمامية” – وزراء حكومة الظل – استغرقت معظم الأسبوع. أعداد كبيرة من الزملاء رفضوا الوظائف، بما في ذلك أكثر من عشرة أعضاء من حكومة الظل الماضية. لكنهم يُصرّون على أنه لا توجد خطة للانفصال عن حزب العمال وأن الانقلاب أمر غير وارد على الإطلاق، في الوقت الراهن، نظراً لسلطة الزعيم الجديد الكبيرة – بفوزه بأصوات أكثر من أصوات منافسيه الثلاثة معاً. لكن أثيرت أعصاب المُعتدلين بالفعل بسبب اختيار كوربين لوزير مالية حكومة الظل – جون ماكدونيل، وهو صديق قديم من اليسار المُتشدّد للحزب، يدعم فرض ضرائب أعلى.
يقول أحد أعضاء البرلمان “من الممكن أن أتحمّل تماماً العمل مع كوربين، لكن وصول ماكدونيل علامة على أنه سيكون هناك قليل جداً من المساومة”.
في اجتماع لأعضاء البرلمان يوم الإثنين الماضي، تعهد كوربين مراراً وتكراراً “بمعارضة” حزب المُحافظين، لكن يتساءل الزملاء ما إذا كان الزعيم الجديد يريد قضاء الأعوام الخمسة المقبلة في الاحتجاج فقط أم أن لديه خطة للفوز بانتخابات عام 2020.
يقول أحد أعضاء البرلمان “في الانتخابات، يُريد الناس معرفة ما سيفعله الحزب من أجلهم، وليس فقط معرفة أين يُخطئ الحزب الحاكم. بدلا من ذلك نحن بحاجة إلى أن نقدم صورة صحيحة عما ما نريد أن نفعل”.
كثير من أعضاء حزب العمال في البرلمان لديهم شكوك في أن رئيسهم الجديد قد أمضى عشرات السنين بصفته مُعترضا مدمنا على الاعتراض، أحياناً بصُحبة مشكوك فيها. إنه رئيس تحالف أوقفوا الحرب – الذي ولِد من الحملة لمنع العمل العسكري في العراق – ودافع أيضاً عن قضايا وأفراد بدءاً من هوجو شافيز، الرئيس الفنزويلي الراحل، إلى الجمهورية الإيرلندية والحركة المؤيدة للفلسطينيين. في الماضي، وصف حماس وميليشيات حزب الله في لبنان “بالأصدقاء”. المُحافظون منذ الآن أخذوا يشحذون هجماتهم فيما يتعلق بمسألة الأمن القومي، حيث يعتبرونه ضعيفاً.
يقول أحد كبار أعضاء البرلمان من حزب العمال “أستطيع أن أتقبّل تشدّده في الإنفاق، على الرغم من أنني لا أتفق مع ذلك. لكن ما يُخيفني تماما هو أن الناس لا يرغبون به في أي مكان بالقرب من داونينج ستريت بسبب آرائه المُتطرفة”.
بعد أن تمرّد ضد زعماء حزب العمال السابقين أكثر من 500 مرة، ربما يعاني كوربين لفرض الانضباط في حال، مثلا، حاول فرض تجديد برنامج ترايدنت للردع النووي في بريطانيا. خطته لمنع المملكة المتحدة من الانضمام إلى حملة القصف الجوي بقيادة الولايات المتحدة على المُقاتلين الجهاديين في سورية ستكشف أيضاً انقسامات عميقة داخل حزبه.
في الوقت نفسه، مبادئ الزعيم الجديد – المُناهض للحرب، الجمهوري، المُلحد – ولّدت عناوين رئيسية سلبية في الصحافة البريطانية طوال الأسبوع. يقول أحد أعضاء البرلمان “كان الأمر بمثابة كارثة بعد أخرى، هذه ليست كلمة قوية فوق الحد. أعتقد أنه سينتهي بحلول عيد الميلاد”.
في البداية جاء رفضه لتوضيح ما إذا كان سيرفض أن يضع زهرة الخشخاش الأحمر في ذكرى الجنود القتلى يوم الأحد، كما هي العادة. ثم جاء ظهوره في حفل تأبين معركة بريطانيا في كاتدرائية سانت بول. وفي حين إن غيره من كبار الشخصيات أنشدوا النشيد الوطني – مع الكلمات “فليحفظ الله ملكتنا الكريمة” – إلا أنه بقي صامتاً بشكل واضح. قالت صحيفة “ذا صن”، “كوربين يزدري الملكة”. وقالت صحيفة “الإكسبرس”، “يا للعار، كوربين يرفض أداء النشيد”.
ولا يزال كثير من أعضاء البرلمان من حزب العمال في حالة صدمة. يقول أحدهم “الأمر يُشبه رحلة سيئة، تحديداً كيوم أخذت الأقراص المُضادة للملاريا وكنت أعتقد أن هناك لصوصا في الحديقة”.
كان هناك نجاح واحد نسبي وهو أول ممارساته البرلمانية في الجلسة الأسبوعية للأسئلة الموجهة إلى رئيس الوزراء، التي عادةً ما تكون بمثابة جدال عاصف يُذكّرنا بحفرة اصطياد الدب التي كانت متبعة في العصور الوسطى. سعى كوربين إلى قلب هذه المناسبة رأساً على عقب من خلال طرح ستة أسئلة – جميعها تم الحصول عليها من حشود الجماهير – بطريقة غير تصادمية ظهرت كأنها تفاجئ كاميرون.
قدم الزعيم الجديد تنازلات. بعد بعض المراوغة، وافق على أن يضع زهرة الخشخاش الأحمر في تشرين الثاني (نوفمبر)، وأعطى إشارة تفيد بأنه سيشارك في أداء النشيد الوطني في المستقبل. كذلك أكرهه زملاؤه على تغيير موقفه بخصوص الاستفتاء المقبل حول عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. وبدأ الأسبوع الماضي بتلميح إلى أنه لن يقود حملة للبقاء في الاتحاد الأوروبي. لكن بالأمس أوضح في مقابلة مع “فاينانشيال تايمز” أنه سيفعل بالتأكيد.
لكن كلما خفف من آرائه، ازداد خطر أن يخيب آمال اليساريين الراديكاليين الذين دفعوه إلى المنصب. يقول جون مونكس، الرئيس السابق لمؤتمر اتحادات المهن “الخطر بالنسبة إلى جيريمي يأتي من اليسار – وليس من اليمين”.

التعليقات معطلة