مارتن وولف
فوز جيرمي كوربين بزعامة حزب العمال يأتي بمنزلة زلزال سياسي. حزب العمال في بريطانيا ليس حزب سيريزا في اليونان ولا حزب بوديموس في إسبانيا. لقد كان في السلطة لمدة تقل قليلا عن 40 في المائة من الوقت منذ عام 1945. المملكة المتحدة أيضا من المشاركين في مجموعة الاقتصادات السبعة الرائدة، وهي عضو ذو شأن في حلف الناتو، وحليف وثيق للولايات المتحدة، وواحدة من أعضاء الاتحاد الأوروبي الأكبر، وموطن لمركز مالي عالمي. لذلك، ماذا يعني انتخاب يساري دون خبرة؟
لنبدأ بسبب فوزه. يجادل بول كروجمان، من صحيفة “نيويورك تايمز”، بأن السبب هو فشل مؤسسة حزب العمال في مواجهة دعاية حزب المحافظين المضللة بشأن أسباب العجز المالي الذي ورثه من الأزمة المالية، والحاجة الملحة إلى التقشف المالي. أنا أوافق أن القيادة السابقة كانت ضعيفة جدا. لكن من المهم أيضا وجود تغييرات في العملية الانتخابية. قبل كل شيء، صعود كوربين يعكس فقدان الثقة في النخب السياسية والتجارية، وهو ما نشهده أيضا في البلدان ذات الدخل المرتفع الأخرى، ولا سيما فرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة. عدم الثقة هذا يضرب بجذوره في الاستياء الموجود منذ فترة طويلة. لكن أزمة مالية ضخمة وغير متوقعة أساسا، تبعها إنقاذ المؤسسات المسؤولة، وفترات طويلة من الدخل الحقيقي الراكد، حول الأمر إلى غضب.
الغضب يمكن رؤيته على كلا الطرفين النقيضين. اليمين الشعبوي يعتبر أن العدو هو النخبة الفاسدة، المتطفلون غير الفعالين والأجانب. واليسار الشعبوي يعتبر أن العدو هو الأثرياء المتنفذون الجشعون وأتباعهم في مجالي السياسة والإعلام. وصعود كوربين هو انتصار لهذا الرأي الثاني. وقد لا تكون مثل هذه الأحداث هي الأخيرة في السياسة الغربية.
ماذا يمكن أن يعني صعود كوربين بالنسبة للمستقبل، القريب والبعيد؟
يبدو أنه يثير احتمال أن يصوت البريطانيون للخروج من الاتحاد الأوروبي في الاستفتاء المقبل. صحيح أن كوربين أظهر بوضوح رغبته في إبقاء المملكة المتحدة داخل الاتحاد الأوروبي. لكن كثيرا من مؤيديه يرون في ذلك مؤامرة رأسمالية وحتى قد يعارضونه.
الأهم من ذلك، أن الإصلاحات المؤيدة للأعمال والمؤيدة للسوق التي يسعى إليها ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء، هي تماما ما يرفضه كوربين. كلما كان نجاح كاميرون في توحيد حزبه وراء مثل هذه الحزمة من الإصلاحات أكبر، أصبح دعم حزب العمال برئاسة كوربين للعضوية بكل إخلاص أقل احتمالا. عدائية حزب العمال لشروط كاميرون من المحتمل أن تجعل الفوز بالاستفتاء أصعب حتى من قبل.
هناك احتمال آخر وهو أن ينقسم حزب العمال كما فعل عام 1981. حزب العمال الضعيف سيكون أكثر يسارية بكثير وحتى أقل قبولا في الانتخابات. والنتيجة من المفترض أن تكون فترة طويلة من السلطة بالنسبة لحزب المحافظين.
لكن هذا من المرجح أن يحدث حتى دون انقسام. مع مثل هذه الفجوة بين النشطاء وأعضاء البرلمان التابعين للحزب والقيادة المتطرفة التي تفتقر إلى الخبرة، حزب العمال في الواقع من المرجح أن ينظر إليه على أنه فوضى غير قابلة للانتخاب. إذا كان الأمر كذلك، قد يتبنى حزب المحافظين سياسات أكثر تطرفا، مثل اقتراحات لفرض مزيد من القيود على الحق في الإضراب عن العمل. وهذا من شأنه رفع أهمية السياسة البريطانية إلى مستويات شهدناها آخر مرة في الثمانينيات.
وفي حين أن هذه تبدو النتائج المحتملة، إلا أنها ليست الوحيدة. كوربين وزملاؤه ربما يذهلوننا باقتراح سياسة اقتصادية جذرية تبدو منطقية. الأكثر احتمالا هو زواج بين حزب العمال القديم والشعبوية الجديدة.
علاوة على ذلك، حتى لو كان صعود كوربين يقلل من فرصة فوز حزب العمال، إلا أنه لا يقللها إلى الصفر. عداؤه لسياسة التقشف في المالية العامة، والقطاع المالي، والأسلحة النووية، مع دعم الضوابط على الأجور، وإعادة تأميم السكك الحديدية، وفرض ضرائب أعلى على الشركات والأغنياء، يمكن أن يحظى بشعبية كبيرة، ولا سيما إذا كان أداء الاقتصاد ضعيفا. وإذا أضاف العداء للهجرة، من الممكن حتى أن يكون في وضع جيد جدا. الاعتقاد أن كوربين لن يكون رئيسا للوزراء أمر معقول، لكنه ليس مؤكدا.
ماذا يعني مثل هذا النصر، أو احتمال مثل هذا النصر؟ رؤوس الأموال سوف تهرب. وفي حال أصبح في السلطة، سيكون على حزب العمال التخلي عن برنامجه، أو إدخال اقتصاد محاصر وراء ضوابط صارمة على صرف العملة. عندها المملكة المتحدة من الناحية العملية سوف تخرج من الاقتصاد العالمي. وسيتم تعزيز العزلة في حال قرر حزب العمال مغادرة حلف الناتو والاتحاد الأوروبي، كما يرغب في عض عناصر اليسار المتشدد.
بالتالي، زلزال كوربين يعتبر أكثر من مجرد حدث مهم لبريطانيا. وهو أيضا أقرب إلى كونه علامة على إخفاق الزعامة السابقة لحزب العمال في إدارة الحزب بصورة ناجحة ـ داخل السلطة وخارجها. وهذا مؤشر آخر على نطاق النفور والتباعد مع الحكمة التقليدية السائدة الآن في كثير من البلدان.
يبدو من المرجح إلى حد بعيد أن هذا الزلزال سيزيد من صمود ومتانة حكم المحافظين. لكن من غير المستبعد تماما أن يحقق حزب العمال انتصارا.

التعليقات معطلة