المستقبل العراقي/متابعة
نشبت خلافات عدة بين السيدة أم عامر وجاراتها في العمارة بسبب تناقل الكلام بينهما، حيث قامت إحداهن بذم أم عامر دون وجودها في إحدى الجلسات، فلم يكن من جارة أخرى سوى نقل الكلام وتهويله لها.
تقول أم عامر، “أصبت بدهشة كبيرة لحظة سماعي الحديث الذي جرى في ذلك اليوم، وعليه غضبت جدا، فلم يكن مني سوى مواجهة السيدة التي تحدثت بالسوء مع من نقلت الكلام، وتبين أن الأخيرة هولت في سرد ما حصل، مما دفعني لمقاطعة الجارتين”.
وتعد ظاهرة نقل الكلام لدى بعض أفراد وشرائح المجتمع عادة يومية لا يمكنهم التخلي عنها، فلا تكاد تخلو جلساتهم من نقل الكلام، والطعن والسخرية، ومنهم من يبالغ ويهول في نقل الكلام بدافع الحقد أو إشاعة الفتن بين الآخرين.
لهذه الظاهرة أثار سلبية كبيرة منها نهش جسد العلاقات الأسرية وهدم النسيج الاجتماعي وزعزعة المجتمع، كما في معظم الخلافات العائلية والعداوات والكراهية تكون بسبب (نقل الكلام) الذي يفرق بين الأفراد وبين الأقارب وصلات الرحم، وعلاقات الجيران والأصدقاء والمعارف.
ويروي الموظف حاتم عبد الرحمن ما وقع معه إثر تناقل الكلام في العمل، ويقول، “استغاب الزملاء زميلنا بكلام لا يليق به أبدا، ولم يرق لي ما قيل بحقه، وعليه أخبرته بكافة ما جرى، وحدث ما لم يكن بالحسبان”.
يقول عبد الرحمن “قام زميلي بتصعيد الأمر من خلال الحديث مع الزملاء أولا، ومن ثم إيصاله للمدير، وتفاقم الموقف شيئا فشيئا، وكانت المحصلة استلامي لأول تنبيه خطي منذ عملي في الشركة لمدة لا تقل عن عشر سنوات مضت”.
يضيف، “ندمت جراء فعلتي هذه، ورغم نيتي الخالصة بالمحبة والمودة لزميلنا المستغاب، لكني تضررت إثرها كثيرا، ومنذ ذلك الحين قطعت على نفسي وعدا بأن لا أنقل كلاما بالمدح أو بالذم أمام الاخرين”.
السيدة أم يزن تقول، “لن أنسى اولئك البشر الذين أصابتني سهامهم، وللأسف هم أقارب وليسوا غرباء، تعبت نفسيتي في بداية الأمر، لكن أحسست بأني كلما تتبعت ما يقال عني يزداد جرحي، وأزداد حقدا وكرها لهم، وحينها قررت أن لا أسمع.. لا أرى.. لا أتكلم.. ليس جبنا ولا خوفا ولكن لترتاح نفسيتي، فقد وقعت خلافات عدة بيني وبين زوجي كادت تصل للطلاق”.
تضيف، “رغم بشاعة ما سمعته، إلا أنني استخطي نفسي كثيرا لأنني اصغيت للآخرين (ناقلي الكلام)، بل جعلتهم يعكرون صفو حياتي”.
وتنبهت السيدة أم سليم لخطورة (تناقل الكلام) السائد في عائلة زوجها حسب قولها، حيث تبين أنها لم تعتد هذه السلوكيات في منزل والديها، وتقول، “عندما نجتمع في منزل حماتي، تبدأ وبناتها بالحديث عن الغائبين وانتقادهم وذمهم، ويشارك زوجي في هذا الحديث الذي دفعني لإبداء استيائي الشديد أمامهم”.
تضيف، “انزعج زوجي وعائلته جدا لتصرفي هذا، لكني على يقين بأنه الصواب، كما أنني أخشى أن يقتدي أبنائي بهم، ورغم معارضة زوجي وخلافاتنا مرارا على هذا الامر، لكنه اقتنع بأن وجهة نظري هي الصائبة”.
ويصف الخبير الإجتماعي د.حسين الخزاعي ظاهرة نقل الكلام وتهويله وتحويره والمبالغة في نقل الوقائع والأحداث بأنه آفة من آفات اللسان وسلوك منبوذ من فاعله لأنه يتسبب في إلحاق الأذى بالآخرين وايذائهم والحاق المعاناة بهم، وتصل الأمور إلى درجة خراب وتدمير البيوت والسمعة عند الآخرين.
ويشير الخزاعي إلى أن الأسباب التي تؤدي إلى ممارسة هذه النميمة تتعلق في التنشئة الاجتماعية للأطفال منذ الصغر حيث لم يتم توجيههم وارشادهم إلى عدم ممارسة هذه السلوكيات وأيضا التقليد الأعمى لأحد أفراد الأسرة أو الأصدقاء.
ويقول الخزاعي “تختلف الدوافع من قبل مرتكبي هذا السلوك، ففي بيئة العمل تكثر النميمة ونقل الكلام بين الموظفين لأسباب تتعلق بالغيرة والحسد والفشل في الترقيات أو التقدم الوظيفي وأيضا بهدف التقرب للمسؤولين واشعارهم بالإخلاص لهم بهدف الحصول على مزايا قد لا يستطيعون الحصول عليها عن طريق العمل والإبداع والمهارة في العمل، لافتا إلى أن هناك سببا مهما وهو يتعلق بالرغبة في اشغال أجواء العمل في قضايا بعيدة عن العمل حتى لا تنكشف بعض القضايا في المؤسسة وخاصة قضايا فشل المؤسسة من تحقيق أهدافها.
ويضيف، نقل الكلام بين الأسر والعائلات خطير كونه يؤدي إلى تفكك أسري وقطع للعلاقات بين الأهل والأقارب.
ويدعو الخزاعي إلى إدراك مخاطر هذا السلوك وعدم ممارسته كونه يؤدي إلى دب الصراعات بين أفراد المجتمع، ويجب البعد عمن يمارسون هذا السلوك وعدم الإصغاء لهم، والتأكد من صدقية الإشاعات والأقاويل.

