Pdf copy 1

كاظم فنجان الحمامي 
ربما لا يعلم معظم الناس أن منظمة العمل الدولية خصصت 90 % من تشريعاتها لتذليل الظروف الشاقة التي يواجهها العاملون في البحر، ليس هذا هو المهم، لكن الأهم منه أن الحكومة العراقية التي صادقت على الاتفاقيات البحرية الدولية، ارتكبت هفوة كبيرة بمخالفاتها الصريحة لتوصيات منظمة العمل بشأن أجور وساعات عمل الطواقم البحرية، وذلك بتبنيها لسلم الرواتب الجديد، الذي نسف المخصصات البحرية، وألغى المخصصات الملاحية، وأطاح بالأجور الإضافية والجداول المالية المصممة لتلبية متطلبات مواجهة الأهوال المروعة، والمرور بالمسطحات المائية المحفوفة بالمخاطر، والتعامل اليومي مع الحمولات والبضاع السامة والحارقة والمشعة والموبوءة.
من نافلة القول نذكر: أن منظمة العمل الدولية أقرت توصيتها رقم (187) لسنة 1996، فحددت المستويات الدنيا لأجور العاملين في عرض البحر، والعاملين في الموانئ وفي الصيد البحري، وتناولت أهم الأمور التي يتعين على الدولة مراعاتها عند تحديدها مستويات الحد الأدنى لرواتب البحّارة وأجورهم اليومية والشهرية. وقد دخلت بنود تلك الاتفاقية حيز التنفيذ عام 1970، واعتمدتها الدولة العراقية في إصدار قانون الخدمة البحرية رقم (201) لسنة 1975، لكنها تراجعت الآن، وعادت إلى ما قبل هذا التاريخ لتنسف قناعاتها القديمة، التي بنتها على المرتكزات المستقبلية الصحيحة، الرامية إلى النهوض بالقطاع البحري نحو الأفضل. فجاء سلم الرواتب بصيغته الارتجالية المتناقضة مع الأعراف والقواعد البحرية الدولية والإقليمية، ليضع طواقمنا خارج الاستحقاقات المالية المعمول بها في جميع موانئ كوكب الأرض.
ما يثير الغرابة ويبعث على القلق إن هذه الإجراءات تأتي في الوقت الذي يسجل فيه رجال البحر أعلى إيراداتهم المالية المتحققة، فبقلوب متمرسة على الصبر والسهر، قام المرشدون البحريون بحوالي 575 نوبة إرشاد للمدة من 16/ أيلول إلى 16/ تشرين الأول (أكتوبر)، اشتملت على إرساء السفن العملاقة على الأرصفة وإرشادها نحو البحر بوتيرة واحدة وبمعدل 24 ساعة باليوم وسبعة أيام بالأسبوع. في حين انفرد العاملون على ناقلات النفط العملاقة برحلاتهم المكوكية المرهقة، غير عابئين بصخب البحر ومزاجه المتقلب. بينما حافظت منصاتنا النفطية المغروسة في عرض البحر على معدلاتها الانتاجية المتصاعدة، واستقبلت العوامات الرحوية مئات الناقلات العملاقة، وبات من المسلم به أن موانئنا النفطية هي النافذة الوطنية التي تكفلت بتصدير النفط الخام إلى الموانئ العالمية، فكيف ستكون النتائج لو توقفت الحياة في شراييننا البحرية وواجهاتنا المينائية ؟، وما الذي ستجنيه القوى التي وقفت وراء تمرير القرارات التي حرمت رجال البحر من أبسط استحقاقاتهم الوظيفية ؟، وهل ستقف منظمة العمل الدولية مكتوفة الأيدي وهي ترى الانتهاكات الصريحة لقوانينها ومعاييرها التشغيلية ؟، أغلب الظن إن هذه الأسئلة المصيرية لا جواب لها، لذا سنتناول في مقالتنا التالية رواتب الطواقم البحرية العربية والغربية، فالحديث ذو شجون.

التعليقات معطلة