Pdf copy 1

      سام جونز
بعد غياب دام عقدين عاد “القتل بالأقمار الصناعية” إلى الواجهة من جديد، عندما دمرت الصين في مطلع العام الحالي قمرا صناعيا للطقس وحولته إلى أكثر من ألفي قطعة ينتظر أن تبقى سابحة في مدار حول الأرض حتى عام 2035.ويفترض بعض العلماء إمكانية حدوث تفاعل متسلسل من الشظايا القاتلة من جراء انفجارات مستقبلية ناتجة عن الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية “آسات”. والفتات الناجم عن واحد من هذه التفجيرات يمكن أن ينتشر ليصل إلى الأقمار الصناعية الأخرى، التي بدورها قد تتجزأ، وهلم جرا. وفي النهاية، ربما يزول عن غير قصد، كثير – إن لم يكن جميع – مجموعات الأقمار الصناعية الحساسة في العالم. وشدد الصينيون على أن المشروع الذي يعرف باسم “إس سي – 19” كان حميدا. وقال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية، ليو جيانتشاو، لوكالة رويترز: “لن تشارك الصين في أي نوع من سباق التسلح في الفضاء الخارجي”. لكن مع ذلك الأثر المترتب على كل من واشنطن وموسكو كان كبيرا.
في الولايات المتحدة انتقد مجلس الأمن القومي الصين بشكل فوري تقريبا. وفي الخفاء، وضع البنتاجون قدراته الخاصة المتعلقة بالأسلحة المضادة للأقمار الصناعية مرة أخرى على قائمة الأولويات الطارئة. وفي 20 شباط (فبراير) 2008 سمح بـ “عملية الصقيع المحترق”. وأطلقت السفينة “يو إس إس ليك إيري” صاروخا على القمر الصناعي “يو إس إيه 193”، وهو قمر تابع لمكتب الاستطلاع الوطني. وكان الاختبار ناجحا. وقالت واشنطن إن القمر الصناعي كان ميتا، وشكل خطرا بسقوطه على الأرض. رغم ذلك، لاحظ مراقبون مطلعون أن القمر الصناعي “يو إس إيه – 193” ربما كان قد تفكك أثناء عودته للدخول إلى الغلاف الجوي للأرض. وقد بلغت تكلفة إطلاق صاروخ بالستي لاعتراضه 100 مليون دولار.
في الوقت نفسه، وسط خطة أوسع نطاقا لتحديث القوة العسكرية المتآكلة في روسيا، بدأت وسائل الإعلام الروسية في عام 2009 الإشارة إلى أنظمة الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية “الكامنة”. وفي عام 2010 تم توضيح الخطة الخاصة بإعادة إحيائها. وقال أوليج أوستابنكو، قائد القوات الفضائية الروسية، لوكالة أنباء إيتار- تاس إن القوات العسكرية كانت تعمل على تطوير جيل جديد من أسلحة “التفتيش والضرب”. وأضاف: “سياستنا هي أنه ينبغي ألا تكون هناك أي حرب في الفضاء. لكننا أناس عسكريون وينبغي أن نكون مستعدين لكل شيء”. واستمرت الصين في بذل مزيد والمزيد من الجهود. وفي عام 2008 تم وضع القمر الصناعي “بي إكس-1”، وهو مكعب طول ضلعه 40 سنتمترا لديه قدرة عالية على المناورة، في مدار قريب بشكل خطير من محطة الفضاء الدولية. رسميا، الهدف من هذا القمر الصناعي هو التفتيش والمراقبة. لكن لديه أيضا إمكانات أن يكون سلاحا. ولو تم توجيهه للقيام بذلك، كان من الممكن أن يتسبب في تدمير المحطة الفضائية وقتل رواء الفضاء على متنها. وفي عام 2013 أطلقت الصين “دونج نينج”، وهو قمر صناعي آخر معترض للأسلحة المضادة للأقمار الصناعية. ويمتلك حاليا ثلاث مركبات لديها قدرة الأسلحة المضادة، متمركزة في الفضاء. إطلاق الصواريخ في الغلاف الجوي الخارجي ليس السبيل الوحيدة لتدمير الأشياء في الفضاء. تقول باتريشيا لويس، مديرة الأبحاث في إدارة الأمن الدولي في تشاثام هاوس: “حتى وقت قريب كانت الأسلحة المضادة للأقمار الصناعية حركية تماما، لكن الكثير الذي نراه منها الآن هو مكون إلكتروني ضمن النهج المتبع. إذا كان بإمكانك اختراق أنظمة التحكم في الأقمار الصناعية، يصبح لديك الكثير من الأمور التي تستطيع القيام بها – تعديل الألواح الشمسية بحيث تتحمص تحت الشمس، أو نقل القمر الصناعي إلى مدار مدمر، أو تحويله إلى سلاح لاستخدامه في تحطيم الأقمار الصناعية الأخرى، أو ربما الأكثر مكرا من ذلك كله، يمكنك فقط إضافة تغييرات إلى البيانات التي يبثها إلى الأرض، حيث تعمل المشغلات عليها وربما يمكنك التسبب حتى بالمزيد من الدمار على كوكب الأرض بهذه الطريقة”.
إن إطلاق هجوم إلكتروني على الأقمار الصناعية له ثلاثة مزايا رئيسية. الأكثر وضوحا، لا يلزم أن ينتج عن هذه الهجمات سحابة حطام لا يمكن السيطرة عليها في الفضاء الخارجي. لكن ربما الأكثر أهمية من ذلك أن الهجوم الفضائي أيضا أرخص بكثير بالنسبة للمهاجمين المحتملين، وإذا نجح يمكن أن يكون مجهول المصدر تقريبا. وهذا يفتح آفاقا مثيرة للقلق بالنسبة لمخططي الاستراتيجيات – هجمات تعطل أو تتجسس على البنية الأساسية في بلدانهم دون القدرة على الاستجابة، وبالتالي دون وجود إمكانية للردع.
في أيلول (سبتمبر) الماضي اخترق قراصنة نظام البيانات الخاص بشبكة الأقمار الصناعية الجوية الفيدرالية الأمريكية والإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي. المعلومات الواردة من الأقمار الصناعية إلى هاتين الجهتين تستخدم في كل شيء، بدءا من تقارير الطقس اليومية إلى التخطيط الطارئ البيئي والحسابات الخاصة بتنقل الصواريخ البالستية. وقال مسؤولون إن أنظمة المراقبة محمية ولم تتأثر أية بيانات مهمة، لكن فقط قبل شهرين من ذلك حذر مفتشو الحكومة الأمريكية في تقرير رسمي من أنه في حال وقوع اختراق لنظام القمر الصناعي الخاص بالإدارة الوطنية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي “يمكن أن تكون له آثار كارثية وسلبية شديدة”. ووفقا لاثنين من كبار مسؤولي الأمن الفضائي، كان الصينيون هم المسؤولون عن ذلك. لكن لم تكن هناك أية استجابة علنية من حكومة الولايات المتحدة.
يقول أحد مسؤولي الأمن الفضائي الأمريكي: “الهجمات على الأقمار الصناعية تعد واحدة من مجالات التهديد الأسرع نموا. شبكة الأقمار الصناعية تشبه الباب الخلفي الكبير المفتوح الذي يؤدي تقريبا إلى كل شبكة كمبيوتر مهمة على الصعيد الوطني أو بنية أساسية هناك”. وتنفق الولايات المتحدة المليارات لتحسين دفاعاتها – أساسا عن طريق بناء المزيد من القدرات في أبراجها وتحسين قدراتها في التتبع. وفي عام 2014 تم منح عقد بقيمة 900 مليون دولار لشركة لوكهيد مارتن لتطوير نظام رادار قادر على تعقب الأجسام الصغيرة بمثل حجم كرة البيسبول في الفضاء في الوقت الفعلي. لكن هناك أيضا تلميحات إلى أن الولايات المتحدة قد تبحث في أمر تجهيز أقمارها الصناعية بدفاعات فاعلة وتدابير مضادة خاصة بها، مثل أجهزة التشويش والقدرة على التهرب من الاعتراض.
وهناك أيضا برنامج هجومي بحت مضاد للأقمار الصناعية يجري تطويره بسرعة. إن الأسلحة ذات الطاقة العالية ومركبات المناورة، مثل الطائرات الفضائية، جميعها تتيح إمكانية أن تكون الولايات المتحدة قادرة على أن تسلح بسرعة المجال الواقع خارج الغلاف الجوي، بمجرد أن تشعر بالحاجة إلى ذلك.
وكانت معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 قد أغفلت بشكل واضح وضع حدود لاستخدام الأسلحة التقليدية. وحتى في الوقت الذي تعمل فيه الجيوش حول العالم بجد لبناء ترساناتها من الأسلحة الفضائية، يتساءل كثير منها الآن عما إذا كانت المعاهدة تحتاج لأن يتم توسيع نطاقها.
فبعد لحظات فقط من تنصيب الرئيس باراك أوباما في عام 2009، تم تحديث موقع البيت الأبيض على الإنترنت بمجموعة من تدابير السياسة العامة الجديدة، بما في ذلك الرغبة في فرض حظر دولي شامل على الأسلحة الفضائية والتكنولوجيات المضادة للأقمار الصناعية. وكان بمثابة تراجع ملحوظ في موقف واشنطن، التي بسبب غضبها من الاختبار الصيني في عام 2007، كانت بالفعل تسارع إلى إعادة تطوير قوتها الفضائية.
الآن، مع بلوغ النشاط الاختباري الصيني والروسي ذروته، أصبحت واشنطن متشددة أكثر. وتزامنت الجهود المبذولة من قبل وزارة الخارجية لتأمين نوع من الاتفاق الدبلوماسي مع برنامج المسار السريع للتطوير العسكري. ولا توجد طريقة لإيقاف التسلح في الفضاء، بحسب ما يقول قادة الجيش الأمريكي، باستثناء الإبقاء على التفوق العسكري الأمريكي الساحق هناك. وبسبب تدهور العلاقات مع موسكو، وتصاعد الاحتكاك بين الصين والولايات المتحدة حول قضايا مثل التجسس في الفضاء وبحر الصين الجنوبي، تتلاشى سريعا أية آمال في إيجاد أي نوع من المعاهدات الدولية للفضاء.
تقول لويس، من تشاثام هاوس: “لن تتمكن من نيل موافقة البنتاجون على أية معاهدة (…) لكن عاجلا أم آجلا سوف يتعين على واشنطن أن تدرك أنه يجب فعل شيء ما. نحن نزيد فقط من اعتمادنا على الفضاء. والبنتاجون يتصور عالما الهيمنة فيه لدولة واحدة، لكن تلك التكنولوجيات الناشئة تعتبر معادلات. أنها تقلل من الفجوة وتجعل البلدان المتقدمة هي الأكثر عرضة لمواطن الضعف (…) ووزارة الخارجية تعلم ذلك. يعلمون أن الولايات المتحدة لا يمكنها السيطرة وعلى المدى الطويل تعد هذه معركة خاسرة. باقتحامها، فإن كل ما سيحدث هو أنك تدفع الآخرين لتطوير قدراتهم بشكل أسرع مما قد يفعلون بخلاف ذلك”. وتجري الآن مجموعة متشابكة من الجهود الدبلوماسية. في فيينا تجري لجنة الأمم المتحدة المتعلقة بالاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي “كوبوس” مفاوضات بشأن مجموعة من “مبادئ الاستدامة الرئيسية طويلة الأجل”. وأثناء وجوده في جنيف، ناقش مؤتمر الأمم المتحدة حول مسألة نزع السلاح في العام الماضي مقترحا تقدمت به كل من روسيا والصين يتمثل في معاهدة لمنع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي “بي بي دبليو تي”. في نيويورك اجتمعت معا – للمرة الأولى الشهر الماضي – اللجنتان الأولى والثانية للجمعية العامة للأمم المتحدة للتصدي لمسألة الأمن الفضائي وعلى نطاق واسع. ويجري حاليا استعراض ومراجعة مقترح روسي يعرف بـ “لا للوضع الأول”.
وهناك معارضة لا يستهان بها للمقترحات الثلاثة. ويرى المعترضون أن مقترح “كوبوس” واسع النطاق فوق الحد وقديم. أما مقترحات “بي بي دبليو تي” فيتم التعامل معها بشكوك من قبل واشنطن وأوروبا، لأنها تغفل القدرات الموجودة حاليا فيما يتعلق بالأسلحة المضادة للأقمار الصناعية، في حين ينظر إلى قاعدة “لا للوضع الأول” على أنها خدعة روسية. ويمزح أحد الدبلوماسيين الأوروبيين قائلا إن التعهد الدولي بمقترح “لا للوضع الأول” هو تماما كتعهد روسي بوضع ثان.وتتحول الجهود المبذولة الآن نحو محاولة إبرام نوع من الاتفاق قبل أي اتفاق دولي رسمي. ولدى الاتحاد الأوروبي مقترح – لكنه يسير ببطء. وبدأت بشكل جدي مناقشات حول “مدونة سلوك” جديدة للفضاء، اقترحها الاتحاد في تموز (يوليو).
يقول جاسيك بايليكا، المبعوث الخاص للاتحاد الأوروبي لعدم الانتشار ونزع السلاح: “هناك حاجة ماسة لحدوث شيء شامل وملزم سياسيا الآن. يمكن أن تدوم المفاوضات المتعلقة بأي معاهدة لعقود – إذ مرت عقود منذ أن تم الاتفاق على آخر معاهدة. المشكلة التي نراها أيضا هي أن كثيرا من المبادرات في هذه اللحظة تتناول موضوع التسلح في الفضاء في المستقبل، لكن ليس القضية الحقيقية الآن التي تتمثل في التكنولوجيات المضادة للأقمار الصناعية الموجودة حاليا”.
ويضيف: “ما نقترحه هو مجموعة من القواعد التي تنظم حركة المرور في الفضاء. سوف تكون التزاما سياسيا (…) قواعد بشأن المبادئ الخاصة بتشغيل جميع الأجسام في الفضاء. لكننا نواجه شكوكا كبيرة”.
ولدى الاتحاد الأوروبي مؤيديه في أماكن أخرى. البلدان مثل الهند والبرازيل – كلاهما معتمد بشكل متزايد على الأنشطة الفضائية التجارية والمدنية من أجل التنمية الاقتصادية – تريد ضمانات.
يقول فرانك روز، مساعد وزير الخارجية الأمريكي لمراقبة الأسلحة: “علينا التركيز على الجانب العملي. لا نحب معاهدة منع نشر الأسلحة في الفضاء الخارجي. لكننا مستعدون للعمل مع الروس والصينيين عندما تكون لنا مصلحة متبادلة. نرى الكثير من الجدارة في مقترح الاتحاد الأوروبي (مدونة قواعد السلوك)، لكن كان لديهم بعض التحديات الدبلوماسية هناك. لا يوجد حل سحري للموضوع. لكننا بحاجة إلى ضبط النفس الاستراتيجي”.لكن كما هو الحال مع أي جهود دولية تبذل للحد من التسلح، قد تكون الطريقة الوحيدة لضمان توافق الآراء هي التهديد بالبلورة. وإلى أن يقع حادث خطير، يرى بعضهم أن الفرصة ضئيلة في أن تبدأ القوات العسكرية القوية التفكير في أوجه القصور لديها، بدلا من قدراتها. يقول كوينتانا: “لا أعرف ما إذا كان أي شخص سيختار الدخول للفضاء أو الهجوم الصاروخي. لكن الآن، في الصراعات الدولية، الكثير من الأنشطة التي نراها تستغل المناطق الرمادية. مثلا، الحوادث التي يمكن نفيها. لذلك، ربما نشهد اصطداما عرضيا. أو نشهد شيئا ما يوضع ‘في غير محله’ في الفضاء. شيء يعتبر هجوما، لكن ليس شيئا بإمكان أي أحد بالضرورة الاستجابة إليه بشكل مباشر”. “قد لا يكون ذلك معروفا على نطاق واسع، لكنه أمر مهم. مجتمعاتنا واقتصاداتنا تعتمد على ذلك. لفترة طويلة من الزمن، كان استخدامنا للفضاء يتم على نحو تدريجي – أولا كان لغايات الأمن القومي ومن ثم لغــــايات الاتصال. لكن الآن لكل شيء، بدءا من أجهزة التعقب في السيارات إلى أجهزة الصراف الآلي، إلى الأشياء التي لن تشك فيها أبدا، مثل خطوط أنابيب الغاز. إنه طــيف. ونحن ضعفاء جدا”.

التعليقات معطلة