منذ اجتياح الموصل العام الماضي من جانب تنظيم “داعش”، لم يكن هناك مناط من أن يقارن المحللين والباحثين ذوي الشأن على مختلف جنسياتهم وتوجهاتهم بين نشأة التنظيم وبين السعودية، حيث أوجه تشابه كثيرة في ظروف وعوامل النشأة، وكذلك المنبع الأيدلوجي الواحد المتمثل في الفكر الوهابي ذو المنطق الأحادي الرافض للغير إلى حد قتله، والتفنن في هذا الأمر وتأصيله بغطاء ديني مرن يتناسب مع متطلبات الحكم والسياسة، هذا بخلاف أن المملكة ساهمت عبر مراكمة سياسات فادحة الخطأ والخطورة طيلة العقود الثلاث الماضي في نشأة ودعم التنظيمات المتطرفة، مادياً وفكرياً وسياسياً وإعلامياً، وصولاً إلى إسهامها الرئيسي في طفرة “داعش” والانتقال من خطر أمني محلي، إلى تهديد وجودي إقليمي أنفلت من السيطرة وآلية السياسة الخارجية السعودية التي تستثمر منذ الثمانينيات في مثل هذه التنظيمات لتحقيق أهدافها الخارجية منذ مرحلة أفغانستان وحتى الأزمة السورية، سواء بالتنسيق والتعاون مع حلفاء المملكة أو كسياسة فردية، بالإضافة كون نشأة “داعش” تكاد تطابق نشأة المملكة لولا اختلاف الزمان والمكان، وكذلك مدى قبول العالم بها وقتها لاعتبارات اقتصادية نفطية استمرت وتجذرت حتى الان، الغرض منها غض الطرف عن ممارسات المملكة الدموية في الداخل والخارج.
هذه المقارنة أوضحت تناقض المملكة وجديتها في مسألة الحرب ضد الإرهاب، الذي يختلف بحسب فهم حكام المملكة ويتباين فيما بينهم، ففيما رأت الرياض منتصف العام الماضي أن تنظيم “داعش” تنظيماً إرهابياً، ومعه “جبهة النُصرة” و”القاعدة في شبه الجزيرة العربية”، إلا أن ممارستها طيلة الفترة الماضية عكست انتقائية تتكيف مع بوصلة التغيرات في البيت السعودي الحاكم، ففي سوريا أضحت “جبهة النُصرة” التي بواقع القوانين والمراسيم الملكية السعودية تنظيم إرهابي يعاقب من ينضم إليه من مواطني المملكة –مثله مثل داعش- بالإعدام، إلا أن المملكة تساهم عسكرياً وسياسياً ومادياً في دعم هذا التنظيم، وتقديمه بمعاونة حلفاءها في الدوحة وأنقرة على أنه عماد “المعارضة الثورية” في سوريا، كذلك كان الأمر بالنسبة لـ”داعش”، حتى بعد إدراجه كخطر على أمن المملكة حيث تقيد المملكة يد حلفاءها باعتراضها على ضرب التنظيم في ليبيا عندما قامت مصر باستهداف معسكرات التنظيم في فبراير الماضي، وتعطيلها لأي آلية عربية لمكافحة الإرهاب، كذلك كان الحال في اليمن التي تشن ضدها السعودية عدوان منذ مارس الماضي، فلم تجد المملكة في جنوب اليمن غضاضة من أن يسيطر كل من تنظيمي “القاعدة” و “داعش” على بعض تخوم عدن ومأرب بغطاء جوي من طائرات التحالف وتحت سمع وبصر المملكة ودول تحالف “عاصفة الحزم”.
وانتقالاً من التعجب إلى التشكيك، طرح العديد تساؤلات حول موقع المملكة في الحرب ضد الإرهاب، ليس فقط في التراص الإقليمي والدولي ضد خطر “داعش” طيلة الشهور الماضية، ولكن عن منطقية مواجهة “داعش” التي تعد تجلي منفلت للفكر الوهابي-السعودي دون غطاء سياسي واقتصادي ممثل في شبكة مصالح بنتها المملكة طيلة الستة عقود الماضية، هذه التساؤلات تدور حول ماهية الاعتراض العالمي على “داعش” والمبني في معظمه –بعيداً عن الشق الأمني- على بشاعة ودموية وإرهاب هذا التنظيم وخرقه للمبادئ الإنسانية وانتهاكها، وهو الأمر نفسه الذي تمارسه السعودية على نحو ممنهج ودائم في ملفات حقوق الإنسان والحريات العامة والخاصة، والتي تصل إلى حد الإعدام بمقتضى القانون، والذي وصلت السعودية فيه إلى مستوى غير مسبوق في تنفيذ الإعدامات وصل إلى أكثر من 150 خلال هذا العام فقط وقبل انتهائه. هذا بخلاف صمت الدول الغربية عن مراكز نشر التطرف الوهابية التي تنشرها وتؤسسها وتمولها السعودية في مختلف بلدان العالم، والتي تعد مفرخة أولى للمتطرفين الذين لا يلبثوا أن يتحولوا إلى إرهابيين عندما تتاح لهم الفرصة، هنا كان التساؤل واستهجان هذا التناقض والنفاق الذي تنتهجه الدول الغربية تجاه المملكة، التي لا تختلف كثيراً في ممارستها عن ممارسات “داعش”، إلا أن الأولى تحرص على علاقات جيدة مع الغرب بفضل النفط وصفقات التسليح.
في هذا السياق، نشرت صحيفة “الإندبندنت” البريطانية مقارنة بين السعودية و”داعش” والفرق بينهما، تحت عنوان “الفرق بين داعش والسعودية“، وذلك على خلفية تهديد السلطات القضائية في المملكة بمحاكمة ومعاقبة كل من يشبه أحكام الإعدام والجلد وقطع اليد وغيرها بـ”الداعشية”، وهو الأمر الذي أثار موجة من الجدل على موقع التواصل الاجتماعي، “تويتر”. حيث قارنت الصحيفة ممارسات كل من المملكة والتنظيم فيما يتعلق بالقوانين، حقوق المرأة، حقوق الإنسان، وحقوق العمال، فاستهلت الصحيفة المقارنة بالتساؤل حول ما إذا كان هناك فرق بين “داعش” والسعودية؟ خاصة وأن الأخيرة دولة ذات سيادة وحليفة لبريطانيا والولايات المتحدة.
وذكرت “الإندبندنت” فيما يتعلق بالقانون أن السعودية مثلها مثل داعش، أسست على صورة مختلة من التشريعات الإسلامية، وما ترتب على ذلك من قوانين عنيفة تجاه ما يتعلق بأمور مثل التدخين على سبيل المثال، وأن كل من المملكة والتنظيم يتطابقان في بدايتهما في مسألة التوسع ومهاجمة مصالح الدول الغربية، فيما خفت ذلك بالنسبة للسعودية بعد إنشاء دولتها، وربط مصلحتها بمصالح هذه الدول الأجنبية التي تحاول المملكة أن تحافظ على علاقات جيدة مع هذه الدول، على عكس التنظيم الذي يهاجم هذه الدول ومصالحها. كذلك الأمر في مسألة الحكم والاختلاف بين المملكة والتنظيم في مسألة “الخلافة” كون الأولى تعتمد على حكم عائلي ملكي يستند إلى تحالف قديم ومستمر بين آل سعود وآل شيخ، يتقاسموا فيه السلطة والدعوة الدينية على الترتيب، فيما الثانية تسعى لحكم “الخلافة” على النمط التاريخي الإسلامي. كذلك التمايز الطفيف بين المملكة والتنظيم فيما يتعلق بالتشريعات الجنائية التي فقط تنتقدها الهيئات الأممية بالنسبة للأولى بينما تقود الدول الغربية حرباً ضد التنظيم.
وتواصل الصحيفة البريطانية في إيضاح التباين الطفيف بين المملكة والتنظيم فيما يتعلق بحقوق المرأة، حيث فرض حظر على النساء ومشاركتهم الاجتماعية والسياسية، سواء فيما يتعلق بالملبس والحريات الشخصية المندرجة في هذا الإطار، أو فيما يتعلق بالتفاعل في المجتمع وحظر الاختلاط، وترى الصحيفة أن هذا التضييق بدأ في الحلحلة منذ 2009، والسماح للمرأة بالتعليم الجامعي في المملكة كذلك التصويت في الانتخابات المحلية، إلا أن ذلك واجه انتقادات من جانب بعض أجنحة السلطة في السعودية، الذين شبهوا الدراسة في الجامعات بالنسبة للفتيات بالتشبه بـ”الغرب الكافر”، بينما يتمسك داعش بالموقف الأصيل للمملكة قبل 2009 ومكانة المرأة في المملكة.
وعن حقوق الإنسان، تشير الصحيفة إلى وثيقة نشرها داعش تذكر أن التنظيم “سيطبق العقوبات على المواطنين الذين يخرجون عن قوانين الشريعة الإسلامية، وأغلب تلك القوانين تتشابه مع الطريقة التي تحكم بها العائلة المالكة السعودية بلادها، والتي تقوم أيضا على الشريعة. كل من السعودية وداعش يطبقون عقوبة القتل على الكافرين، أو الزناة، أو المثليين جنسيا، ويوافقون على قطع الأيدي والجلد العلني. ونقلا عن تقارير، فإن الــ21 شهرا بداية من أسر جيمس فولي في نوفمبر 2012، وقتله في 19 أغسطس 2014، ذبحت السعودية 113 شخصا. وعلى الرغم من الكثير من التشابه، فإن النظام في داعش أكثر همجية من النظام في السعودية.وتختتم “الإندبندنت” مقارناتها بوضع العمال تحت حكم التنظيم والمملكة، وتذكر تقارير هيئات أممية حول استغلال العمالة والمهاجرين في المملكة وتشبيه نظام الكفالة بالاستعباد، وما يتبع ذلك من تعرض العمالة الأجنبية لإجراءات اقلها حجب جوازات السفر وتنتهي بالسجن، ناهيك عن أن نظام الكفالة نفسه يشترط الدين كعامل أساسي في جلب العمالة الرخيصة من بلدان إسلامية، وهو الأمر نفسه الذي شرع فيه “داعش” في مدينة الموصل، والتي أصبح العمل فيها مرتبط بالانتماء الديني، حيث أن الوظائف تُقسم حسب الالتزام الديني.

