علي شايع
نشرت إحدى وكالات الأخبار المحلية، قبل أيام، تقريراً عن انتشار ظاهرة جديدة أطلق عليها تسمية «العبودية»، لأنها تنطوي على أمر مستنكر، وملفت للنظر، بحسب التقرير الذي كشف عن صور مبطنة لعودة قسرية الى أزمنة الرق، من خلال مكاتب محلية تعرض لزبائنها فرصة الحصول على (خدم) وبطريقة لم يألفها المجتمع العراقي منذ عقود طويلة. التقرير نشر وجهة نظر رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان العراقية عصام الجلبي الذي انتقد عودة هذه الظاهرة داعياً الحكومة الى مكافحتها، وايجاد حلول سريعة لها، معتبراً إياها وصمة عار بحق الإنسانية لأنها تشكل نوعاً مستحدثاً من أنواع العبودية المرفوضة.
رئيس المنظمة الوطنية لحقوق الانسان تحدث بأسف بالغ عن تفشي تلك الظواهر عبر استخدام رجال (خدم) في بيوت بعض الأثرياء وخارج الرقابة والمعاينة الحكومية، مؤكداً رصد اعلانات بمواقع الكترونية توفر رجالاً ونساءً للعمل كخدم في البيوت بالعاصمة بغداد وبعض المحافظات، مشيراً الى أن القضية تتجاوز البعد المتعلق بمجالات العمل وتوفير فرصه، فهذه الظاهرة وفقاً لرأيه تدل على تردي الوضع الاقتصادي من خلال مؤشر البطالة الذي يدفع بمثل هؤلاء للقبول بتلك الأعمال.
وفي رؤية أخرى للمسألة؛ ربما يكون ما كشفته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية من وجود لـ 140 الف عامل أجنبي في العراق خارج الضوابط مرتبطاً في جانب خفي مع القضية، فقانون العمل السابق وبحسب مصادر معنية، منح الشركات فرصة لإدخال العمالات الأجنبية دون شرط، فبعد شهر كامل من دخولها للبلاد يصار الى اصدار موافقات قانونية للعمل، وهو ما يمكن أن يعد ثغرة، حيث يمتنع بعضهم عن تسجيل العمال أو تثبيت وثائقهم، مستغلاً ظرفهم الحرج لاحقاً بطريقة غير قانونية. بالطبع إن تأكيد جهات محلية مدافعة عن حقوق الإنسان على وجود انتهاك في هذه القضية، لم يكن من قبيل الاثارة الإعلامية أو أي شيء آخر، فتلك الجهات تقدر مكانة القانون وأهمية توثيقه لمصلحة الجميع، وتعلم أكثر من غيرها الظرف الاستثنائي الذي يمر فيه البلد بمواجهته لقوى الإرهاب والشر، التي تريد اعادة العبودية واحياء تشريعاتها المجحفة وبما ينافي العقيدة السمحاء والتشريعات الإنسانية الساعية الى منح حقوق الإنسان بتمام المطلوب. وبعيداً عن الإرهاب ومحاولاته الخارجة عن العقل والانسانية، فان زمن الرقيق انتهى بصورة القرون السالفة، لكن آليات العبودية ووسائلها لا تختلف كثيراً، وخاصة في مناطق لم تنل نصيباً وافراً من تطور حقوق الإنسان والديمقراطية، فالمتابع لقضايا الانتهاكات في ما يتعلق بملفات المستقدمين من بعض البلدان الآسيوية بقصد العمل بصفة (خدم) في منطقة الخليج على سبيل المثال، سيواجه معلومات كارثية من خلال ما ينشر من تقارير دولية تؤكد وفاة العشرات منهم بشكل سنوي إضافة الى خضوع أغلبهم لممارسات توصف بالعبودية وفق أساليب تلاقي انتقادات واعتراضات حادة. الحديث عن هذه الظاهرة جاء بعد ايام قليلة من الاحتفال بمناسبة اليوم الدولي لإلغاء الرق، واتفاق الأمم المتحدة في شأن مكافحة العبودية وقمع الإتجار بالبشر. وأيضا بعد احتفاء الولايات المتحدة بشكل خاص بمرور 150 عاماً على التعديل الثالث عشر للدستور الأميركي الذي أنهى العبودية. ولعلّ قضية العبودية الجديدة وانتشارها لا تقتصر على البلدان الغنية، بل أصبحت ظاهرة تثبت وجود أكثر من 21 مليون امرأة ورجل وطفل في شتى أنحاء العالم، يكابدون ممارسات العبودية المجحفة..وليت بلادنا لا تكون بضمنها.

