Pdf copy 1

أبو بكر العيادي 
يعاب علينا، نحن المهتمين بالشأن الثقافي في بلاد العرب والغرب، انشغالنا بالتعريف بالكتب ونقدها، ومتابعة الأحداث الثقافية، والحديث عن الفكر والمفكرين، في وقت تشهد فيه الأقطار العربية، وحتى الغربية، هزّات عنيفة تهدّد الفرد في وجوده نفسه، ما يوهم بأننا نعيش خارج اللحظة التاريخية، أو أننا لا نولي الأحداث المرعبة اهتمامنا، بل نوثر عليها أشعارا وقصصا وروايات، تنهل من الواقع لا محالة، ولكنها ليست الواقع المرّ الذي نراه ونلمسه في معيشنا اليومي، الطافح بالفظائع، أو نخيّر عليها مجادلة أفكار بعيدة عن هموم الناس ومشاغلهم في هذه الفترة بالذات. أي أننا، بعبارة أخرى، نرفض توجيه أنظارنا إلى ما يجري من تحولات رهيبة، ونتلهى بأمورنا الخاصة، تماما كأرخميدس الذي تقول الأسطورة إن جنديا قتله، لأنه كان غارقا في حساباته، ولم يسمع أن العدوّ احتل المدينة.
هذا الموقف من نشاطنا مردود عليه لسببين اثنين على الأقل:
أولهما أن ذلك قدرنا، ودورنا الذي لا يمكن أن نتخلى عنه، إلا إذا قبلنا بتخلي فئات المجتمع كافة عن نشاطها المعتاد في شتى مجالات الحياة، عند أول رجّة. والتاريخ ينبئنا بأن الكتّاب لم يهجروا الكلمة حتى في أحلك الظروف إبّان الحروب الطاحنة، شأنهم في ذلك شأن أهل الحرف والصنائع، وسائر المنظومة التي تواصل تأمين سنن الحياة. ومن ثمّ فانشغالنا بالفكر والأدب والثقافة لا يعني انشغالنا عمّا يجري في أوطاننا، وإنما هو حرص منا على تقديم شيء آخر، غير أخبار النزاعات والحروب التي تملأ صفحات الجرائد وشاشات التلفزيون والمواقع الاجتماعية على شبكة الإنترنت.
وثانيها، وهو الأهم، إيماننا بأن الثقافة هي خير سلاح نناجز به تلك القوى الظلامية التي تعادي الفن والأدب والفكر والموسيقى والنحت والسينما، وتحرق الكتب في الساحات العامة على غرار النازي غوبلز، أو تتخذ من تحريمها اسما لها، كتنظيم “جماعة أهل السّنّة للدعوة والجهاد” في نيجيريا التي صارت تعرف ببوكو حرام (ومعناه حرفيا الكتب حرام). فالثقافة، إنتاجا وإقبالا ومتابعة، تكتسي في هذا الظرف بالذات شكلَ مقاومة ضدّ دعاة الجهل والتخلف، وضدّ أعداء الحياة. ولو نقلع عن ممارستها فسوف نمهّد السبيل لما يسميه أوليفيي روا: الجهل المقدس، ذلك الذي تروّجه جماعات سلفية جهادية تكفّر الفكر بنيّة تجهيل الناس، حتى يسهل احتواؤهم وإخضاعهم لأيديولوجيا كليانية تمجّد القتل وتتلف كل ما له علاقة بالحضارة الإنسانية.
تقول حنّا أرندت في كتاب “أصول التوتاليتارية”: إن في فراغ الفكر يندرج الشّرّ.

التعليقات معطلة