المستقبل العراقي/ متابعة    
تمتد الأدراج بين أحياء عمّان القديمة وبيوتها الدافئة، فتبدو كأنها أغصان كرمة عنب تتفرع في كل اتجاه لتفضي في آخر المطاف إلى وسط المدينة دائمة الحركة والحياة.
وتشهد أدراج عمّان القديمة حركة مستمرة للغادين والرائحين صعودا وهبوطا، بينما تتوزع على جنباتها المحال القديمة والبيوت البسيطة التي غدت جزءا من حياة الأدراج وتكوينها المعماري والتراثي المميّز.
ولهذه الأدراج أهمية ليس فقط في ما توفره من سهولة الحركة في مدينة ذات طبيعة جبلية كعمّان وحسب، وإنما أيضا في ما تمثله من إرث حضاري وتاريخي، وذاكرة أولى للمدينة التي بدأ توسّعها الحضري منذ القرن التاسع عشر، شاهدا على ما توافد عليها من هجرات لشركس وشيشان وأرمن.. وكانت الأدراج توحّدهم على جنباتها وتلمّ شملهم مثلما تحتضن أمّ رؤوم أطفالها.
الأدراج كما الشوارع لها أسماؤها أيضا، بعضها انتسب إلى عائلات تجاورها وبعضها الآخر إلى ما يجاورها من مواقع أو مؤسسات، لكن بلدية عمان ومن ثمة أمانة العاصمة والأمانة الكبرى ذهبت إلى إطلاق تسميات على هذه الأدراج وأحاطتها بالرعاية والاهتمام، حيث أضيفت إلى بعضها حواجز حديدية، فيما أضيف إلى بعضها الآخر الإسمنت والبلاط لتبدو أكثر تماسكا وجمالا.
ومن أبرز أدراج عمّان ذلك المسمّى “درج الكلْحة” الذي يربط وسط البلد بجبل اللويبدة (حيّ الثقافة في العاصمة)، ويقع في أعلاه محل القطايف الشهير “أبوعلي” الذي أصبح وجهة مفضّلة لمحبي هذا النوع من الحلويات على مدار العام، وفي شهر رمضان بخاصة. ويعود اسم الدرج إلى عائلة الكلحة التي سكن عدد من أفرادها البيوت المنتشرة على أطرافه منذ أربعينات القرن الماضي.
أما “درج جويبر” أو “الكواكب” فيعود تاريخه إلى حقبة الثلاثينات واستوحي اسمه من بيت الشيخ جويبر جازي العتيبي الحجازي، أحد أبرز رجالات الثورة العربية الكبرى، وحُوّل أحد بيوت الدرج في ما بعد إلى سينما سمّيت “الكواكب” وصار الدرج يعرف بها أيضا. ويقع “درج الاستقلال” قريبا من البريد الأردني المركزي وسمّي بذلك نسبة إلى مكتبة الاستقلال أقدم مكتبة بعمان. ويذكر أهل عمان أن الدرج كانت تقابله سينما صيفية مكشوفة أطلق عليها “سينما فرساي” وفرت للفقراء من أبناء المدينة والزائرين لها من البوادي والأرياف فرصة مشاهدة عروض الأفلام مجانا من خلال الجلوس أعلى هذا الدرج.أما “درج منكو” فيشرف على أول سوق تجارية أُنشئت في عمان منتصف العشرينات من القرن الماضي، فيما سمّي “درج الشرعية” نسبة إلى المحكمة الشرعية التي تتربع على ربوة في أعلاه، ويقع “درج المحكمة” قريبا من قصر العدل القديم. ويقول بعض العمانيين إن درج المحكمة الشرعية يملك تاريخا متناقضا من العلاقات الإنسانية التي اكتسبها على مدار العقود الماضية، فعليه تقافزت أقدام فرحة في طريقها إلى القاضي لعقد قرانها، وسارت عليه أقدام متثاقلة أيضا وهي تخرج من مكتب القاضي نفسه منهية حياتها الزوجية بالطلاق.ونظرا لما تمثله هذه الأدراج من حضور تاريخي ووجداني للمدينة وساكنيها فقد استلهمها الشعراء والكتاب والفنانون، حيث أنجز الفنان والخطاط الأردني محمد أبوعزيز أعمالا من وحيها. كما أطلقت مجموعة من الشباب مبادرة “خَنْلَوِّنْها” (أيْ لِنُلَوّنها)، حيث قامت بتلوين الأدراج، وجدرانها برموز وثيمات فنية ولونية مبهجة، حتى أصبح بعضها يشكل محطة جذب سياحي، وخاصة حينما تتعانق ألوانها مع أصص الياسمين والجوري التي زرعها سكان البيوت على الأدراج، مؤكدين رسالة الجمال والمتعة البصرية والراحة النفسية.
ومؤخرا نهضت مبادرة مجتمعية بعنوان “حجرة، ورقة، بلد” لتوثق الذاكرة المحكية لمنطقة وسط البلد وتروّج الأماكن القديمة فيها بعيون الجيل الشاب، حيث قام الشباب بنصب “الشماسي” (المظلات الملونة) على طول سقْف الدرج، وكان لكل منهم قصة يرويها كشاهد عيان عن أهل المكان، أو كزائر تعرّف على المكان وتشكّلت لديه انطباعات عنه.

التعليقات معطلة