انعام كجه حي
لم يكن وجهه حزينًا أمام كاميرا التلفزيون. كان وجهًا مغلقًا. كأنه يتحشّم أن كشف أساه على الملأ. قال ما معناه إن التحف النادرة لا تخص فردًا من الناس، بل لا بد من أن تتنقل بين هواتها وجامعيها القادرين على اقتنائها. ثم استل، بصعوبة، ابتسامة صغيرة من عضلات وجهه وهو يضيف: «كان من حظي أنني استضفت هذه المجموعة من الكتب عندي لفترة من الزمن، وقد آن الأوان لأن أدعها تذهب إلى عاشق آخر». وصاحب الكلام هو رجل الأعمال الفرنسي بيير بيرجيه. وصفة رجل أعمال قد لا تلمّ به ولا تفيه حقّه. إنه هاوي الجمال، الغاضب الدائم من تفشّي الجهل والبشاعة، حاتم طي الفرنسي الذي يغدق الملايين على المشاريع الثقافية، والصديق الذي آمن بموهبة إيف سان لوران ورعاه ليصبح مصمم الأزياء الأول في فرنسا وسمح له بتحقيق أكثر أحلامه جنونًا. بيير بيرجيه رجل الظل رغم أياديه الكثيرة الممتدة هنا وهناك. لا نسمع عنه إلا عند التحضير لمزادات كبرى يتابعها العالم كله. لماذا يبيع مقتنياته للمزايدين وهو ليس في حاجة للمال ويملك 120 مليون يورو؟ كيف يفرّق في ساعة زمان ما أمضى العمر في تجميعه وتلقّطه واصطياده من هنا وهناك؟ حين رأيت ملامحه المغلقة وهو يتحدث عن مكتبته التي ستباع بعد أيام في المزاد العلني، تذكرت أستاذًا لي رأيته في شارع المتنبي في بغداد، قبل سنوات، يحمل كتبًا عزيزة على قلبه لكي يتركها في عهدة صاحب مكتبة هناك. فبسبب ضيق ذات اليد، كان الأدباء والشعراء وأساتذة الجامعات يقصدون، صباح كل جمعة، شارع الكُتبيين والمطابع لكي يبيعوا ما في مكتباتهم من دواوين ومخطوطات وأطاريح. إنها أغلى ما يملكون. يفارقون الكتاب، خير جليس في الحياة، في سبيل قوت الأبناء. لم يكن ذاك وقت ترف. والتعلّق بالورق المطبوع ترف وبطر في زمن الحصار والشح. الجليس أم فلذة الكبد؟ باع كرام العراقيين مكتباتهم قهرًا وغصبًا مقابل حفنة من الدنانير. ويبيع الهاوي الفرنسي مكتبته لأنه عاش ثمانين حولاً، وفوقها خمسة، وصار عليه أن يرتب أُمور تركته. وهي حصافة رجل الأعمال الثري الذي لم يُرزق ولدًا. إذ لن يهون عليه أن يترك محبوباته الكتب لوريث بعيد لا ينبض قلبه بحبها. ولأنه يحب المطالعة ويتابع الصفحات الأدبية، ثار ذات يوم على الملحق المخصص للكتب في جريدة «لو موند» وصرّح قائلاً بأن محرريه لا يعرضون الكتب الجديرة بالقراءة. وفي غضبة ثانية قال إن صحافيي تلك الجريدة ليسوا أحرارًا، بل هم أسرى آيديولوجياتهم. وما كان لهذا الرأي أن يلفت الانتباه لولا أن بيير بيرجيه هو مالك حصة محترمة من أسهم «لو موند»، اشتراها ليساهم في إنقاذها من الإفلاس. عن أي الحبيبات سيتخلى؟ سيكون شاقًا فراق مخطوطة رواية «مدام بوفاري» لفلوبير. مع نسخة من الطبعة الأصلية مع إهداء بخط المؤلف إلى فيكتور هوغو. كبير يخاطب كبيرًا ويكتب له: «إلى المعلم». وسيكون أصعب منه التخلي عن الطبعة الأولى لديوان رامبو «أزهار الشر»، مهداة إلى الكاتب والناقد سانت بوف. وهناك نسخة من «الكوميديا الإلهية» لدانتي مطبوعة عام 1487. و«دون كيشوت» لسيرفانتس مطبوعة عام 1605. ونسخة تشارلز ديكنز الشخصية من روايته «ديفيد كوبرفيلد». ومعها «شياطين» دوستويفسكي. كل تلك الكتب المدلّلة ستخرج من أحضان مكتبة بيير بيرجيه في باريس لتتبعثر في المكتبات الغريبة، ما بين نيويورك ولندن وموناكو. ولعل عذر الرجل أنه سيوقف حصيلة المزاد على مشاريع إنسانية وخيرية. لذلك يصفونه في «ويكيبيديا» بـ«المحسن». أما هو فيعلّق على التسمية: «لكي تُحسن، يجب أن تُحبّ».