علي شايع
يرد في الكتاب المقدس (انجيل متي) نصاً حزيناً، من ينظر له بعناية قلب وتأمل ضمير حيّ، سيقارن صورته بألمٍ وحسرةٍ مع مشهد شبيه حصل قبل أيام، حيث يروي النص: “حينئذ صلب معه لصان واحد عن اليمين و واحد عن اليسار”.
مرّت أيام على إعدام الشهيد نمر النمر، بالصورة الوحشية التي أعلنت وبتلك الطريقة الانتقامية المتشفّية التي لا تخفى دوافعها وأسبابها على من يراجع الأحداث والتداعيات في الفترة الأخيرة، ولعلّ من يتابع التعليقات السعودية، ومن يساند موقفها، تعقيباً على ما جرى سيكتشف سرّ الالحاح الإعلامي على إظهار حالة واحدة، تبدو كوصية لسلطة حاكمة تريد من خلالها ابراز جانب واحد في القضية؛ يتعلق بمحور الإجرام والارهاب.
بعد ساعات من نشر خبر الإعدام عرضت فضائية سعودية تقريراً أظهر قرار إعدام الشهيد النمر مع شخص ثبت ارتباطه المسلح بتنظيم القاعدة، والقي القبض عليه متلبساً بحمل السلاح في عملية إرهابية منذ سنوات. الصورة التي استعدتها في تلك اللحظة، وبدأت تتكرّر في ذاكرتي، كانت لموقف تاريخي مماثل؛ في ما شبّه من صلب السيد المسيح، حيث أصرّ طغاة زمانهم على إظهار المصلوب معدوماً ومعلقاً مع المجرمين وقطاع الطرق المحكوم عليهم. بالطبع مع فارق المقارنة بين الشخصين، والوقائع الأخرى المتعلقة بالحدث، تبدو الآلية العدوانية تحاكي ذات الفعل في محاولات الخلط والتشويش، والوهم الذي تحاول وسائل الاعلام المدفوعة الثمن بثه في ثنايا تقاريرها وتعليقاتها، وبشكل كان يبدو مضحكاً لشدّة تأكيده على قضية مفتعلة، بالرغم من جلاء المشهد ووضوحه لكلّ العالم، فما حصل أكد قضية أساسية طالما سعت السلطات السعودية للتمويه عليها، فمن يطالع ما نشرته بعض الصحف العالمية الشهيرة، سيدرك بيسر عمق النظرة الجديدة. وعلى سبيل المثال ها هو كاتب بريطاني شهير ينشر تعليقاً على نبأ اعدام الشهيد نمر النمر قائلاً: ترى هل كان الحكم بالاعدام سيختلف لو أن تنظيم «داعش» الإرهابي قد القى القبض على هذا الرجل؟.
استفهام ورد ضمن عشرات الأسئلة في مقال للصحفي المعروف روبرت فيسك بصحيفة الاندبندنت، وقد سبقه وأعقبه آراء أوروبية أخرى أشدّ وضوحاً في تلك القضية، وتحديداً ما أعلنه الإتحاد الأوروبي من موقف أولي ربما سيكون له معقبات أكثر تأثيراً، إذ ذكرت الممثلة العليا للشؤون الخارجية للاتحاد في بيان وصف الاعتداء الذي أقدمت عليه السلطات السعودية بالانتهاك للحقوق المدنية والسياسية، معتبرة أن ما حصل للشهيد النمر، على وجه الخصوص والأهمية، من شأنه أن يعززّ المخاوف بشدة بشأن حرية التعبير واحترام الحقوق.
الصحافة العربية ساد في أكثرها الصمت حتى كأن على رؤوس كتّابها الطير، والغريب أن تصدر تصريحات من أطراف تراهن على اعتبار اي تعليق عن ما ارتكب من جريمة تدخلاً بالشأن الداخلي لدولة مستقلة، وبالطبع ليس مستغرباً أن تجد من يلقي بالتهمة في وسائل الإعلام على الاتحاد الأوربي وبعض المنظمات الدولية.وها هي أسواق عكاظ قد فتحت أبوابها للمزمرين ووعاظ السلاطين، وها مشهد العدوان متواصل وينذر بالقادم الأخطر، ويكرّر، مجدّداً، وبكلّ أسف، صفحات مؤلمة من تاريخ هذه الأمة.. صفحات ضاجة بقعقة السلاح ودماء الأبرياء.