انعام كجه جي
منذ أن عادت غادة السمان إلى إطلالة أسبوعية في إحدى الصحف العربية والقراء ينتظرون مقالها ويكتب كثيرون منهم، وكثيرات، تعليقات هي، برأيي، المكافأة الأهم لكل كاتب. وبفضل المواقع الإلكترونية للصحف، صار في وسع القارئ أن يسجل تعليقه مباشرة، ويراه منشورًا بعد هنيهات. ويمتلئ بريد غادة بعبارات الإعجاب، من قرائها، والاحتفاء بالقلم الذي رافق نبضات قلوبهم وكتب تاريخًا معاصرًا مختلفًا وحميمًا لنصف القرن الأخير من حياة العرب. كم كاتبة عندنا نجحت في الاستمرار مثلها؟ إنها موجودة دائمًا في «مكان ما» ما بين الشرق والغرب. يأتي أهل الأدب إلى باريس ويسألونني أن آخذهم إليها ولا يصدقون أنني لم ألتقِ بها رغم حواراتنا. أتبادل معها الرسائل والكتب وأكتفي بذلك وأحترم قانونها. قانون غادة للعلاقات الاجتماعية.
في أول السنة، مع هجوم المنجمين والعرافات وقارئات البخت علينا، تذكرت كتابها «القمر المربع». وهي نصوص تدفع فيها غادة السمان بأبطالها وبطلاتها إلى دهاليز الغيب وتجعلهم يصادقون الأشباح ويستحضرون أرواح الراحلين. وتقول الكاتبة إن صلتها بالسحر والتنجيم هي صلة الفضول لا الإيمان. فهي لم تذهب في حياتها إلى عرافة ولم تجلس إلى قارئة فنجان بغرض الاستشارة الشخصية. لكنها قامت، ذات يوم بعيد، بجولة على سحرة بيروت وساحراتها عندما كانت تستعد لكتابة «السباحة في بحيرة الشيطان».
وكانت دليلتها في تلك الجولة صديقة على ولع بتلك الخزعبلات. وكانت المرافقة حاملاً وقال لها معظمهم إنها ستنجب ولدًا، لكي ينالوا البخشيش.
لكنها وضعت بنتًا. ولأن غادة السمان هي ابنة تجاربها، لا الخيال الواسع فحسب، فقد رصدت الظواهر الغريبة رصدًا ميدانيًا، وجربت البنج المخدّر وقرأت عن التناسخ وصادقت مزدوجي الشخصية وعاشت في مصح للمجانين وخضعت للتنويم المغناطيسي وتأكدت أنه يمكن أن يحدث. وأظنها كانت ستكسب من المال أضعاف ما ترزق به من الأدب لو اشتغلت وسيطة روحية. وكانت الخلاصة التي خرجت بها من سبرها لأغوار النفس البشرية أننا صعدنا إلى القمر لكننا لم نهبط، بعد، إلى قاع الإنسان.
أذكر أنني سألتها عن الحسد. وردت أنها لا تخشاه. ولذلك فهو لا يؤذيها. أما التميمة التي تطرد بها الأرواح الشريرة فهي التمتمة باسم حبيبها. وسألتها عن علاقتها مع الزمن، وردت أنها لا تخافه أكثر مما يخافه أي «ذكر» عربي في مثل سنها وله مهنتها.
وقالت إنها تعلمت كيف تصادقه وتوظفه لحسابها فلم يخذلها. وأرسلت لي صورتين؛ واحدة لها وهي في بداية عهدها بالأمومة، تحمل طفلها في حضنها. والثانية صورة بعد ذلك بعشرين سنة، وابنها شاب رياضي يحملها بين ذراعيه مثل طفلة. لقد كبر الولد وازداد طولاً لكنها لم تتغير وحافظت على مقاييس عارضة أزياء. تطل على قرائها بتلك النظرة الجانبية في الصور وكأنها رفعت عينيها للتو عن الورقة.
أكتب عن غادة السمان لأن هؤلاء القراء الذين يرافقونها جيلاً بعد جيل، هم الذين خصصت لهم مقالها الأخير، يوم أمس. وهي قد ذكرتهم بالأسماء واحدًا واحدًا وواحدة واحدة، وحاورتهم حول ما ورد في تعليقاتهم على آرائها. إن القارئ هو رأسمالها الذي تعتني به عنايتها بنفسها وكتاباتها. وكم صدق الأديب المغربي الباهي محمد يوم قال إن «غادة السمان هي مؤسسة في حد ذاتها». عاشقة مزمنة تستيقظ عند الفجر لتقرأ ثم لتكتب وتطبع وتنشر وتوزع وتدلّل قراءها، بالتخاطر أو عبر الإلكترون، دون أن يشاهدوها في حفل توقيع أو معرض للكتاب أو مناسبة أدبية. غياب ببهاء الحضور.

