علي شايع
كان رجلاً نبيلاً فاضلاً من أصدقاء والدي، يعرفه أكثر أهالي مدينة الدغارة ولا ينادونه إلا بهذا الاسم (حجي عرعر)، بعد سنوات عرفت قصته؛ بالطريق الى مكة المكرمة في سبعينيات القرن الماضي، وصل مع الحجاج الى مدينة عرعر السعودية، وواجه بعض حراسها الأجلاف لما شاهده من قسوة تعاملهم، فأعادوه مخفوراً الى الحدود العراقية، وقيل هو من رفض اكمال رحلة الحج مستنكراً، ليبقى يحمل هذا اللقب بكل معاني الشرف والرجولة.
قبل ايام تلقيت دعوة صديق لقطع مسافة ساعة من السفر والمشاركة بتظاهرة أمام السفارة السعودية في العاصمة السياسية الهولندية (لاهاي)، اضافة لفعالية كبيرة أقيمت قبالة محكمة العدل الدولية، احتجاجاً على جريمة إعدام السلطات السعودية للشيخ (نمر النمر).ومثلما دُعيت لشرف المساهمة برفع الصوت نصرةً للمظلومين، أحببت دعوة صديق قديم (من جماعة رفحاء) يسكن العاصمة (لاهاي)، لا يحتاج حضوره سوى دقائق ليكون مع الحشود. اعتذر بالقول: كما تعرف أنا أعدّ العدّة منذ سنوات، وأوفر مبلغ تكاليف رحلة الحجّ ونويت السفر السنة القادمة، ولا أستطيع المشاركة بالتظاهرة، فالسلطات السعودية تمارس أساليب الرقابة، وبالتأكيد سيتم تصوير التظاهرات من قبلهم.
وأضاف قائلاً: ولا أستبعد أن تكون لهم عيون بين المشاركين فيسجلون الأسماء. كلمات الرجل زادت إصراري على المشاركة بروح مختلفة، عادت بي الى سنة 1991 يوم كنت مع آلاف من أبطال الانتفاضة الشعبية محتجزاً في معسكرات السعودية، كما لو إننا ارتكبنا جريمة بحق نظام بلدهم، وما كان لنا من ناصر غير (الصليب الأحمر) أول الأمر، إذ وثّق أسماءنا وسجلها لديه.كان برزخاً فجائعياً، تيهنا الصحراوي في تلك الأيام، ولم نكن لنحتمل الصمت على هوان آخر، وبواسطة لجنة من الصليب أقنعناهم (بصعوبة) بأهمية انجاز مهرجان شعري ومسرحي وتشكيلي، بحجّة الترفيه، وحدثت (المعجزة) بموافقة السلطات المسؤولة عن السجن الصحراوي في (الأرطاوية)، المشروطة بتشديد الرقابة على الفعالية وتفاصيلها.
ضمن الوفد المفاوض، قدمتُ نصاً مسرحياً أخرجه الفنان البصري رسول مذخور، كان في ذم الديكتاتورية والأمل بالخلاص منها، وبالطبع واجه اعتراضهم.
ومن طريف ذلك اليوم ما رأيته من إصرار لبطل عراقي، استشهد العام الماضي؛ كبطل في صفوف الحشد الشعبي، بعد أن هجر المسرح إلى المواجهة الميدانية، وقد فعلها بنبله الذي أعرفه منذ ثلاثين سنة، وبجود وإصرار كمن ينحت الحجر بقطرات الدم.. إنه الفنان فائز عبد الباقي.. ابن مدينة الديوانية الذي أتعب لجنة الرقابة السعودية لأنه أصرّ على تقديم عرض مسرحي صامت حيّرهم ودوّخهم. ولم نسلم من عقوبتهم، وبقيت اسماؤنا في (القائمة السوداء) حتى بعد انتقالنا الى معسكر رفحاء، حيث تم اعتقالنا في أقرب فرصة لنيل مزيد من التعذيب، وهناك تعرضنا أيضاً لدسائس ومكائد، وصادفت أشباه (الصديق) الموعود بالحجّ، ممن يخافون من ظلالهم ويرون الآخر بعيون أفعالهم، ويحسبون كل صيحة عليهم، فكانوا يضطهدوننا ولا يتركون لنا الاحتجاج على السجّان، حتى لا نتسبّب بقطع بعض النعم والهبات عنهم.
قال لي (الحجي): اسمي طلع ضمن قوائم تقاعد المحتجزين، وأنت؟!. وأردف بالسؤال: متى تحجّ؟. قلت: «أنا حجي رفحاء»!. وضحكتُ بحزن.