بيب سيفيرجنيني
أصيبت اوروبا بحالة من الذعر الكامل منذ هجمات باريس الإرهابية في شهر تشرين الثاني الماضي، لكن يجب ان نعرف بأنه ليست هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها أوروبا إلى أعمال العنف، وإذا كان الاتحاد الأوروبي قد بدأ مؤخرا وكأنه واحة للتسامح والأمن في عالم مضطرب، فالسبب هو أن الجيلين السابقين من الأوروبيين لم يفقدوا هدوءهم. وعاش غالبية الذين ولدوا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي في ظل الديكتاتورية، من ألمانيا إلى إيطاليا، ومن البرتغال إلى بولندا، وخاضوا حربا طويلة، نتج عنها عشرات الملايين من الخسائر البشرية. أما أولادهم، وهم الأوربيون الذين ولدوا ما بين 1946 و1966، فقد نشأوا مع الإرهاب.
كان اغلب الإرهاب متوطن الأصل، رغم أن بعضه قد نشأ في الشرق الأوسط، ولم يحصل شيء كارثي الوقع مثلما شهدته اعتداءات باريس، لكنه كان لا يزال صادما، كما أن عهد الإرهاب استغرق وقتا طويلا. وفي سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كانت الهجمات الإرهابية تحصل بشكل يومي، وكانت مرعبة وكريهة تماما مثل التهديد الذي مثله لاحقا تنظيم القاعدة، وحاليا “داعش”؛ فمن الجيش الجمهوري الايرلندي السري إلى مجموعة “اسكوادي تا اسكاتاسوانا” الإنفصالية في إقليم الباسك الإسباني، ومن منظمة “العمل المباشر” الفرنسية إلى “جماعة الجيش الأحمر” الألمانية، إلى “الألوية الحمراء” و”العناصر الثورية المسلحة” في إيطاليا، كانت الخلايا السياسية المتطرفة والعنيفة تمثل المعيار تقريبا. وأتى آخرون من خارج القارة بمستوى عال، أمثال الفلسطيني أبو نضال والفنزويلي المولد ايليتش راميريز سانشيز، المعروف بكارلوس إبن آوى، كانوا وراء العديد من الهجمات الأكثر دموية وتميّزا في تلك الفترة. ولم يكن بإمكان المرء أبدا معرفة أين ومتى، وكيف، سيكون الإعتداء القادم، فربما سيقدم الإرهابيون على اختطاف وإعدام سياسي ما، أو تفجير ناد ليلي؛ وربما سيختطفون طائرة، أو يسيطرون على مبنى إحدى السفارات.
وطبقا لقاعدة بيانات الإرهاب العالمي، فإن سنوات الإرهاب شهدت ذروتها في 1979، مع حصول 1,019 اعتداء يوميا، وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، كان المتوسط يشير إلى حصول عشر هجمات أسبوعيا. وقتل نحو 440 شخص جراء الإرهاب في 1988، بضمنهم 270 قضوا في تفجير طائرة شركة بان أميركان فوق لوكيربي في اسكتلندا، بعمل إرهابي أمر به الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي.
في إيطاليا، وبين 1969 و1988، حصل أكثر من 1300 هجوم إرهابي، من قبل كلا الطرفين المتشددين، اليساري واليميني، كان من بينها اختطاف وإعدام رئيس وزراء سابق، “الدو مورو”، في 1978، كما تم قتل خمسة من أفراد حمايته، وتفجير محطة السكك الحديدية الرئيسة في مدينة بولونا في 1980، التي أسفرت عن مقتل 85 شخصا وإصابة مئتين آخرين. وفي غضون عقدين من الزمن، قتل 458 شخصا، بضمنهم سياسيون وقضاة ونقابيون وصحفيون وأكاديميون، إضافة إلى أكثر من ألف مصاب بجروح بليغة. ومع ذلك، استمرت أوروبا بحياتها، فمع إخفاق الحكومات، بقي السياسيون والناس محافظين على هدوئهم. وبالنسبة للأجيال اللاحقة، اولئك الذين ولدوا بين عامي 1980 و2000، فان ما يحصل الآن هو أمر جديد ومثير للفزع. ونوه الرئيس الفرنسي “فرانسوا هولاند” إلى أن غالبية ضحايا هجمات باريس كانت أعمارهم تقل عن الخامسة والثلاثين، وأطلق عليهم “جيل باتاكلان”، المشتق من تسمية قاعة الحفلات الموسيقية التي شهدت فقدان غالبية الضحايا لأرواحهم. ويعتبر هؤلاء الشباب والشابات الموهوبون، أصحاب العقول المتفتحة، أوروربا موطنا لهم، وينبغي أن لا يتم خذلانهم. وبعد 25 سنة على آخر عهد من الإرهاب، يقع على الجيل الأسبق واجب تذكير الجيل اللاحق لهم، وهم بمثابة أبنائهم، بما كان فاعلا في التصدي للإرهاب، وفي النهاية، دحره وذلك من خلال ما يلي.
أولا، يجب عدم السماح بإعطاء هؤلاء القتلة أية مصداقية، فشأنهم شأن من سبقهم تماما، فهم أشخاص متعصبون مقتنعون أن معتقداتهم تبرر جميع الأفعال، وبضمنها قتل أقرانهم من البشر، فلا شيء، لا عقيدة فكرية، ولا قيم ثقافية، وبالتأكيد لا رب، يبرر قتل الناس الأبرياء في مقهى أو ملعب رياضي أو قاعة حفلات موسيقية، أو في محطة للسكك الحديد وفي الحافلات والقطارات، كما حصل في مدريد في 2004، حيث قتل 191 شخصا وجرح 1800، وفي لندن في 2005، بمقتل 52 فرد وجرح 700 آخرين، وهما أفظع ما أرتكب من أعمال مميتة في أوروبا خلال العقد الماضي. ثانيا، ينبغي عزل الإرهابيين عن بقية المجتمع لمنعهم من نشر معتقداتهم المسمومة. لنأخذ إيطاليا كمثال، ففي عقد السبعينيات، حاول ناشطون منتمون للألوية الحمراء تجنيد العمال والنقابيين والطلبة لأجل تطوير وضع حركتهم من إرهاب إلى ثورة، لكنهم فشلوا، فقد رفضتهم المعامل والمدارس والجامعات، فتلك المؤسسات ربما لم تساند الحكومة أو الوضع القائم، لكنها لم تكن مستعدة للقتل لتحقيق أهداف النشطاء. ويسعى المتعصبون لـ”داعش” اليوم إلى دعم المجتمعات المسلمة في أوروبا لهم، ومن المهم للغاية عدم حصولهم على هذا الدعم. ثالثا، “إبقى هادئا وتابع حياتك”، هذا الشعار الذي استنبطته الحكومة البريطانية في 1939 لتعزيز الروح المعنوية لمواجهة الهجمات الجوية الضخمة والتهديد بوقوع غزو حقيقي من النازيين، تم إعادة اكتشافه مؤخرا وطباعته ولصقه على عدد لا يحصى من الأقداح والبطاقات والقمصان والعلامات، ليصبح مكررا تماما.