نصير فليح
هل سيكون لهذه الارض مستقر كما صار هناك مستقر في بلاد كثيرة؟ يحدثنا التاريخ ان الحرب العالمية الثانية -وهي اكبر حرب عرفتها البشرية على امتداد تاريخها وراح ضحيتها اعداد من البشر اكبر من مجموع كل ضحايا الحروب في التاريخ البشري، حيث اودت بحياة اكثر من 50 مليون انسان، فضلا عن المعاقين والمشوهين والارامل والايتام- كانت بين بلدان تشهد اليوم نهوضا واستقرارا كبيرا، وهي في طليعة البلدان العالمية، فالمانيا، وروسيا، وفرنسا، وبريطانيا، والولايات المتحدة، واليابان، وايطاليا، كانوا هم اللاعبين الاساسيين في تلك الحرب التي ارتكبت فيها فظائع يندى لها جبين البشر.
جاءت بعدها الحرب الباردة، و”الردع النووي”، الذي يمكن النظر له من وجهتين، فمن جهة، صار هناك سلاح في ايدي البشر قادر على افناء الكرة الارضية نفسها، ومن جهة اخرى، كان هذا السلاح عاملا في ردع الكثير من النزاعات وتحجيمها ومنع تطورها الى نزاعات شاملة لا تبقي ولا تذر.
ما يجري في منطقتنا اليوم اشبه بتلك التفاعلات المتسلسلة، التي يقود كل منها الى تفاعل جديد، ودخول اطراف جديدة، في لعبة باتت تتسع يوما بعد يوم، لا سيما مع رغبة اطراف اقليمية ودولية في توسيع دائرة الصراع، لمصالح خاصة، مهما كانت العواقب التي يمكن ان يفضي اليها هذا الصراع في النهاية، ما دامت تلك المصالح هي مصالح «وجود» بالنسبة للاطراف التي تسعى الى هذه التصعيد وتعمل عليه بلا هوادة.
تغيرت خارطة اوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، التي يحكي لنا الكبار في السن كيف كان الجنود الهنود يمرون، في وقتها، عبر الاراضي العراقية لمساندة القوات البريطانية في حربها ضد المانيا وايطاليا. اصبح نصف اوروبا تقريبا في تلك الايام تحت مظلة الاتحاد السوفيتي، فيما بات الجزء الآخر متكتلا تحت مظلة حلف (الناتو) بقيادة اميركا التي برزت كلاعب رئيس على الساحة الدولية.
لا نريد الاسترسال في سرد هذه الوقائع التاريخية التي يمكن لأي شخص ان يعثر على الكثير من تفاصيلها بضغطة زر لا أكثر، ولكن ما نريد قوله هو ان الاستقرار الذي آلت اليه كل تلك الفوضى العالمية المرعبة، جاء متزامنا الى حد كبير مع التوافق على الصيغة الديمقراطية للحكم، باعتبارها الصيغة الامثل التي يمكن ان تصل اليها البشرية في يومنا هذا، مع ان هذه الصيغة، بالنسخة الرأسمالية الشائعة منها، لم تحقق العدالة الاجتماعية لمعظم الناس، ولكن بات من شبه المتفق عليه تقريبا، انها «افضل الممكن» في الاوضاع العالمية بوجه عام، والسياسة في نهاية المطاف، هي «فن الممكن» كما هو معروف.
والآن، اذا نظرنا الى كل هذه التفاعلات المتنامية التسلسلية لتطورات الصراع في المنطقة، ووضعناها على معيار الديمقراطية في مختلف البلدان التي تشهد هذه الاوضاع او التي تشترك فيها بدرجات مختلفة، فإننا سنجد ان هناك بلدانا فيها ديمقراطيات جزئية، واخرى ديمقراطيات اكثر تطورا، ونمطا ثالثا، يتمثل بوجه خاص في دول الخليج، يخلو من اي مظهر من مظاهر الديمقراطية. ولهذا ليست صدفة، ولا غرابة، ان تكون هذه البلدان، هي الاكثر مصلحة في تصعيد التوتر في مجمل المنطقة، وهي الاكثر مصلحة في اثارة الورقة الطائفية، باعتبار ما لهذه الورقة من التأثير النفسي، والقدرة على فرض الاستقطاب السياسي، داخليا وخارجيا، بشكل يتيح تحويل الانتباه عن المحاور الاخرى الرئيسية في الصراع، مثل الصراع العربي – الاسرائيلي، او تحويل الانتباه عن مطلب الديمقراطية في هذه البلدان التي ظلت مثل جزر قروسطية معزولة، حتى مقارنة بديمقراطيات جزئية مثل ايران وتركيا ومصر، هذا فضلا عن العراق، وتونس، وليبيا، التي رغم الاضطرابات المستمرة فيها، الا ان حكم الفرد، بالشكل الذي تعارفت عليه، صار شيئا من الماضي.لكن منطق التاريخ نفسه يشير ايضا، الى ان العمليات التاريخية الجارية او التي جرت في العالم، استطاعت ان تشق طريقها رغم كل محاولات عرقلتها، وسواء استطاعت القوى المناهضة للتغير الديمقراطي ان تثير المزيد من الازمات، او توقفت قدرتها عند نقطة معينة لن تستطيع تجاوزها، فان النتيجة النهائية، كما تشير دروس التاريخ، الى ان «البديل الافضل»، الذي وصلت اليه البشرية، والذي باتت تنعم به بعض البلدان المستقرة، وهو الديمقراطية، رغم فترات الاضطراب والفوضى، ورغم الخسائر البشرية المريعة احيانا، سيجد طريقه الى التحقق لا محالة.

