عبدالفتاح البطة
للدول والأمم كما للأفراد والعائلات والمجتمعات والجماعات والمؤسسات مراحل رقي وعلو، ودنو وسفول، وتقدم وازدهار، وتراجع وانحطاط، ومسيرة أخلاقية تقترب من الملائكية، وأخرى هي شيطانية حيوانية بهيمية، ومراحل نورانية وأخرى ظلامية. وكما أن هناك مجتمعات ودولا أبدعت وما زالت فى إنتاج المفيد والنافع، فإن أخرى أبدعت وما زالت في إنتاج “الإهمال “ والشرور والأضرار . والعين لا تخطيء في الأمور المادية المحسوسة التفرقة بين طرق رئيسية مليئة بالتراب والزبالة، وأخرى مليئة بالأشجار والورود . وتلحظ العين بسهولة الخلاف الجذري بين شوارع جانبية مليئة بالمتاريس والأحجار الضخمة والحواجز أمام كل منزل ومتجر، وشوارع لا تركن فيها السيارات ولا يوضع فيها أي معوقات إلا بإرشادات مرورية خاصة.
وشوارع يسير فيها (الطقطق) كالأعمى الذي يقوده أعمى يخبط خبط عشواء في أي شخص وفي أي شيء ويندفع يمنة ويسرة في آن واحد، وأخرى يتحرك فيها البشر بانضباط، وكذا السيارات، كما تتحرك القطارات على قضبان السكك الحديدية.
وشوارع يقوم فيها عامل النظافة بجمع التراب في كومة كبيرة ثم يهملها لكي تتناثر مرة بالذهاب إلى عيون المارة وأخرى إلى أماكنها السابقة، وأخرى كانت تغسل بالماء والصابون فى الخمسينات. وشوارع يزاحم فيها الباعة الجائلون المارة، وكادوا يقتربون من الالتصاق بهم، وأخرى لا وجود لهذه الظاهرة إلا في كتب الحكايات والنوادر.
ومساكن وعقارات تتعانق كما لو كانت شيئا واحدا بلا فراغات ولا مساحات بينية، وتتقارب –إلى حد التداخل- النوافذ والأبواب والمخارج والمداخل، وأخرى تشعر معها أن كل مسكن في بلد غير الثاني. وبلاد أصبحت العقارات الضخمة في قبحها تنتشر في الأزقة والحارات والشوارع الضيقة كما تنتشر الفيروسات والأمراض المعدية وإنفلونزا الشتاء، وأخرى تفرش الصحراء خضرة ومباني تشرح الصدور والقلوب قبل أن تنعم فيها الأجساد والعقول. وأرصفة إمتلأت بالشباب العاطل المعاكس والفاعل للموبقات واللاهث وراء الشهوات والتابع لشيطانه الغافل عن خالقه ومولاه وأخرى كانت تمتلىء بالكتب والإستراحات وأماكن التنزه .
وبلاد لا تسمع فيها إلا أصواتا مزعجة بائسة ظالمة للآذان والعقول والقلوب، وأخرى يتحرج فيها البعض من استعمال السيفون ليلا حتى لا يدخل في احتمالية ازعاج سكان ربما يعيشون معه في نفس المبنى .
ولو تدبرنا كلام ربنا: (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) (البقرة – 591 ) وسألنا أنفسنا: هل الفوضى والعشوائية والاهمال والسخافة والتفاهة والتخلف والإيذاء والبذاءة والفحش والتفحش والكذب والإستهزاء والسخرية وعدم إتقان العمل والرشوة والإختلاس والخداع والمكر وغير ذلك، يدخل فى باب الإحسان؟ بالقطع: لا . إذن، ألا نخشى من عدم الفوز بحب الله لنا؟