تشارلز كلوفر
تستخدم الشركات الرائدة النشاط عبر الإنترنت لتحديد التصنيفات الائتمانية للمستخدم. وينبغي أن تساعد الخطة بكين في زيادة الإقراض، لكن جهدا موازيا لقياس السمات الاجتماعية لمستخدمي شبكة الإنترنت، تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية.
عند تصفح الإنترنت في الصين، يجب التأكد من تجنب تسجيل الدخول إليه ما بين الساعة الثانية والرابعة صباحا، والابتعاد عن المواقع التي تقدم قروضا سريعة وحذار من تغيير سماعة الهاتف المحمول بشكل متكرر جدا. هنالك قاعدة جيدة من التجربة، وهي أن يكون لديك ستائر في مكتبك، وعند التسوق عبر الإنترنت، قم باختيار معدات الغوص بدلا من معدات التصوير الفوتوغرافي.
السبب.. كل هذه الخيارات قد تؤثر في تصنيفك الائتماني. وتصنيفك الائتماني، كما يحدده عدد من الخوارزميات التجريبية التي يجري اختبارها من قبل أكبر شركات الإنترنت في الصين، قد تؤثر يوما ما في أمور أكثر بكثير من قدرتك على الحصول على قرض- إذ يعتقد البعض أنها يمكن أن تحدد إمكانية وصولك إلى الصحة والتعليم والعمالة والمكانة كمواطن “جيد”.
تعتبر أنظمة التصنيف الجديدة جزءا من جهود تدعمها الحكومة وترمي إلى زيادة الإقراض لمئات الملايين من الشعب الصيني، الذين يرغبون في الحصول على قروض أعمال تجارية صغيرة أو ائتمان استهلاكي، في حين أنه ليس لديهم أي تاريخ مالي أو ضمانات إضافية. لمعالجة هذا الأمر، تعتمد الشركات التي تقدم كل شيء بدءا من قروض الأعمال التجارية إلى الائتمان مع متاجر التجزئة على مؤشرات “غير تقليدية” مثل تاريخ البحث عبر الإنترنت، وعمليات شراء الهواتف المحمولة، للمساعدة في تحديد من يستحق الجدارة الائتمانية.
تعترف الشركات الخاصة أن بإمكانها الوصول لسجلات مستخدمي الإنترنت في الصين، بفضل تراخيص صادرة عن البنك المركزي العام الماضي لتطوير التصنيفات الائتمانية التجريبية. حتى الآن، تم إصدار ثمانية تراخيص لشركات تتراوح من تينسينت وعلي بابا، اثنتين من أكبر تكتلات الإنترنت، إلى بينج آن للتأمين، واحدة من أكبر شركات التأمين في الصين. أصبحت تلك الشركات الائتمانية البوابة ليس فقط للقروض، وإنما أيضا لمجموعة متزايدة من الأنشطة غير المالية. يمكن أن يمنحك التصنيف الائتماني الأعلى إمكانية الوصول للخط السريع في أمن المطارات، وموافقة أسرع على التأشيرات الأجنبية أو حتى المساعدة في تبني حيوان أليف.
تعتزم مبادرة منفصلة اتخذتها بكين استخدام الخوارزميات في جميع هذه البيانات لتصنيف ليس فقط الجدارة الائتمانية للمواطنين، بل أيضا درجة الصدق والجدارة لديهم عموما، في وقت مبكر ربما يكون عام 2020. حتى الآن، تعتبر الجهود المبذولة من قبل الحكومة نظرية إلى حد كبير. ولا يعلم أي أحد تماما شكل النماذج الجديدة أو أي المتغيرات التي سيتم توظيفها واستخدامها. تقول نسخة غير واضحة للخطة إن المقصود هو “استخدام التشجيع للحفاظ على الثقة والقيود مقابل كسر الثقة كآليات الحوافز”، وتحدد الهدف على أنه رفع “العقلية الصادقة ومستويات الائتمان للمجتمع بأسره”.
يقول وانج تشينج، أستاذ متخصص في مخاطر الائتمان في كلية جوانجوا لإدارة الأعمال في جامعة بكين، إن المشروع يؤكد وجود “أزمة أخلاقيات” في الصين اليوم. يقول: “الناس لا تعتقد أن الائتمان أو النزاهة أمر مهم. هذا هو ما ينوي نظام الدولة الأوسع نطاقا القيام به – رفع كلفة السلوك غير الأخلاقي”.
مع ذلك، يقول إن تصنيف الناس بحسب البيانات الكبيرة لديهم ربما لن يكون أمرا سهلا – حيث إن الإنترنت في الصين مليء ببيانات وتعاملات ومواقع مزيفة.
ويضيف: “على الصين أن تقطع شوطا طويلا قبل أن تحدد التصنيف لكل شخص فعليا. إذا كانت تريد القيام بذلك، تحتاج إلى العمل على درجة دقة البيانات. في الوقت الراهن، كل ما يجري تافه وسخيف”.
فئران التجارب المخبرية
يقول النقاد إن الإنترنت في الصين يتحول بشكل سريع ليصبح مختبرا تلتقي فيه البيانات الكبيرة بالأخ الأكبر (أي رقابة الدولة)، حيث مسيرة التكنولوجيا جنبا إلى جنب مع الشركات الخاصة التي يحركها الربح، والسياسة الاستبدادية والحريات المدنية الضعيفة كلها تشكل مزيجا ساما.
إن لم يكبح جماحه، فإن نظام “الائتمان الاجتماعي”، وفقا للبعض، يمكن أن يستخدم لتحديد درجات المواطنة للجميع استنادا إلى معايير “وطنية” مثل ما إذا كانوا يشترون منتجات مستوردة أو محتوى منشوراتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
تقول آن ستيفنسون-يانج، رئيسة جيه كابيتال للبحوث، شركة استشارات مقرها بكين، إن النظام يبدو أنه يهدف إلى تحقيق هدف رئيس عبر عنه الرئيس تشي جين بينج المتمثل في تشجيع قدر أكبر من السيطرة الاجتماعية والأخلاق العامة.
في مذكرة بحثية، تقول إن الهدف من تحقيق “الائتمان الاجتماعي” هو إعادة الصين إلى مستويات المراقبة الشخصية المعروفة ما بين فترة الخمسينيات والسبعينيات، عندما كان لدى الجميع ملفات تحتفظ بها وحدات العمل أثناء فترة حكم ماو تسي تونج، ووجود هيئات في كل حي لتبقي السلطات على علم بتفصيلات الحياة اليومية.
زيادة التنقل واللامركزية تعني أن نظام “دانجان” في الدولة لم يعد هو السجل الأبدي الكامل الذي كان عليه من قبل، لكن البيانات الكبيرة التي تم جمعها من قبل مجموعات الإنترنت الرائدة حول مستخدمي الشبكة في الصين، الذين بلغ عددهم 668 مليون شخص، وفقا لآخر التقديرات الحكومية العام الماضي، ربما تتحول لتصبح بديلا قريبا للغاية. أصبح تجميع هذه البيانات أولوية بالنسبة لبكين. إذ أسست إدارات المقاطعات المحلية “مكاتب تنسيق البيانات” الهادفة إلى أن تكون “مزيجا من مكتب البريد وتجمع للبيانات”، وفقا لوكالة الأنباء شينخوا التي تديرها الدولة، حيث يتمركز العشرات أو حتى المئات من قواعد البيانات.
يقول روجير كريمرز، المحاضر في السياسة الصينية في جامعة أكسفورد: “أعتقد أن هنالك شعورا لدى الحكومة الصينية بأن كل هذه البيانات يجري خلقها من خلال الهواتف المحمولة للناس.. والساعات الذكية والحكومة تقول: أريد بعضا من ذلك”.
لدى وكالات الأمن الحكومية بالأصل مجموعة واسعة من أجهزة الرقابة ومراقبة الإنترنت التي تعرف باسم “السور العظيم”، والتي تراقب وتعيق منشورات وسائل التواصل الاجتماعي المتعلقة بالاضطرابات العرقية في المقاطعة الشمالية الغربية من منطقة تشينجيانج، أو مذبحة ساحة تيانانمين في عام 1989.يصر كريمرز على أنه من السابق لأوانه الحكم على نظام “الائتمان الاجتماعي” الجديد، الذي يبدو أنه يجمع بين المراقبة الشاملة مع الخوارزميات الهادفة إلى إقامة علاقات بين السلوك الاجتماعي وبيانات الإنترنت.
كما يقول إن من غير الواضح ما إذا كانت هنالك أي صلة بين مشروع الحكومة وجهود التصنيف الائتماني للقطاع الخاص الجارية حالياً، من قبل مشروع سمسم للائتمان من شركتي علي بابا وتينسينت.
الناس الطيبون
هنالك كثير من الأسئلة التي تتعلق بما يجري في معدلات الائتمان الخاص. تقول شركة “التمويل السريع في الصين”، وهي شركة إقراض النظير للنظير تحسب التصنيفات الائتمانية باستخدام بيانات تينسينت، إنها تستخدم بيانات الشراء عبر الإنترنت لتحديد الجدارة الائتمانية. وفقا لنظام الدرجات فيها، تكون معدات الغوص جيدة، في حين تكون معدات التصوير الفوتوغرافي سيئة. تطبيق الهواتف الذكية لأليباي، نظام المدفوعات التابع لشركة علي بابا الذي يدير سمسم للائتمان، يخبر المستخدمين بأن تذاكر الطيران التي قاموا بشرائها أو الفنادق التي حجزوها عبر الإنترنت تؤثر في درجاتهم. إضافة إلى ذلك، يقول التطبيق: “سوف نأخذ بعين الاعتبار نفوذكم الكلي في دائرة التواصل الاجتماعي الخاصة بكم ومصداقية أصدقائكم” عند تحديد الدرجة، التي قد تصل إلى 900.
متحدث رسمي باسم شركة آنت المالية، الشركة الأم لأليباي، ينفي أن تصنيف الصديق “سيؤثر في درجة ائتمان سمسم الخاصة بك”، لكن يشير شخص آخر بارز في شركة إنترنت صينية ثانية إلى أن الروابط عبر الإنترنت لشخص ما، تعتبر هدفا مقبولا في تصنيف وتقييم المستخدمين. يقول أحد كبار الشخصيات البارزة في شركة إنترنت صينية، عندما طلب إليه تفسير خوارزميات التصنيف الائتماني: “يمكننا أن نفترض أن الناس الطيبين هم أصدقاء لأناس طيبين. والأشخاص ذوو المصداقية هم أصدقاء عبر الإنترنت لأناس موثوق بهم”.
عمل النقص في المعلومات العامة حول خوارزميات التصنيف الائتماني في شركات القطاع الخاص على إثارة فضول المحللين، الذين يتساءلون عما إذا كانت الأنظمة ستكون مفيدة في تحقيق الهدف الأساسي- وهو التنبؤ بحالات التعثر أو الإعسار. يقول مارك ناتكين، رئيس شركة استشارات ماربريدج في مقرها في بكين: “عندما أقول التصنيف الائتماني، أفكر في القدرة على تسديد قرض. يبدو أن بعض هذه الشركات ترى الهدف، وكأنه يحدد على نطاق واسع شخصية المستخدمين لديهم”.
يقول كريمرز إن نظام التصنيف الائتماني يمثل خليطا من اثنتين من الرؤى المثالية: تلك المتعلقة بوادي السيليكون وتلك الخاصة بالحزب الشيوعي الصيني.
يقول: “تبدو كل من الحكومة الصينية وشركات الإنترنت الصينية ووادي السيليكون أنها تتقاسم التزاما بإجراء تحسين أبوي لوضع الإنسان”، مستشهدا بأدب آخذ في التوسع بسرعة لخصه نادج، الكتاب الصادر في عام 2008 الذي يقول إن التكنولوجيا يمكنها إيجاد حوافز يمكن الكشف عنها إلى حد كبير للناس بهدف التحسين.
يقول: “في كل من وادي السيليكون وفي بكين، هنالك هذه الفكرة التي تقول إن بإمكاننا استخدام التكنولوجيا للتشكيل، وإعادة التشكيل بطريقة تجعل الناس يتصرفون بصورة أفضل. وعلينا وقتها أن نقرر ما نعنيه بكلمة أفضل”.
بوتقة الانصهار
يقول كريمرز إن نظام الائتمان الاجتماعي في الصين يعتبر مثالا متطرفا على ما يبدأ عندما يكافئ الهاتف الذكي صاحبه عند استخدامه الدرج بدلا من المصعد، أو حين يقوم المستخدمون بتصنيف الآخرين ليصبحوا “مراجعا موثوقا” للموقع المتعلق بالسفر تريب أدفايزر. الصين ليست وحدها في الرغبة في الاستفادة من قوة المراقبة الموجودة في الإنترنت. كشفت مفاجآت إدوارد سنودِن في عام 2013، المُبَلِّغ عن المخالفات في الولايات المتحدة، عن مشاركة الشركات الأمريكية ووكالات الاستخبارات في برامج منحت الحكومة إمكانية الوصول إلى البيانات الشخصية.
وقد جربت وكالات التصنيف الائتماني الأمريكية من خلال استخدام بيانات الإنترنت كمؤشرات – مثل الأماكن التي يتسوق فيها الشخص – ووجدت أنه وفقا للبعض أصبح أقرب للممارسات المحظورة الخاصة بالمقترضين وفقا للحي.
انعدام الثقة المتزايد في شركتي جوجل وفيسبوك وغيرهما من مجموعات التكنولوجيا الأخرى في الغرب يسلط الضوء على القلق المحيط بكمية البيانات الشخصية التي تمتلكها تلك الشركات. في الصين، يكون الدمج بين البيانات العظيمة ورقابة الدولة أكثر طموحا حتى، بحسب ما يقول المحللون، ويحدث في فراغ قانوني ومن قبل دولة استبدادية لا توجد فيها أي حماية مدنية تتعلق بالخصوصية.
يقول هو جيا، المنشق والناشط الصيني: “في الخارج، قد يبدو هذا النظام وكأنه وسيلة لتشجيع الثقة والجدارة الائتمانية ويفترض أن يكون تدريجيا. في دولة استبدادية، ليس هناك أي حدود لما لديهم حق في الوصول إليه، وليس هناك أي قانون لحماية الذين يتعرضون للضرر”.
تقوم بعض الشركات المعنية – وكثير منها ذات سمعة عالمية تريد حمايتها – باتخاذ بعض الاحتياطات. يقول أحد المسؤولين التنفيذيين من شركة تلقت ترخيصا للتصنيف الائتماني بكل صراحة: “ليست هنالك أي لائحة واضحة في الصين إلى الآن، تتعلق بنوعية البيانات التي يمكن لشركة خاصة الوصول إليها وما لا يمكنك استخدامه”.يقول التنفيذي إن شركته لديها إمكانية الووصول إلى كنز كبير من سجلات الهواتف المحمولة كجزء من شراكة مع شركات الاتصالات الصينية، ولا تواجه أي تقييدات قانونية تتعلق بالاستخدام، لكنه يقول إن الشركة اختارت عدم جمع هذه البيانات بسبب مخاوف داخلية تتعلق بالخصوصية. ويضيف: “إن المقياس الذي نطبقه أكثر صرامة من بعض منافسينا”. يقول تشاو تشانلينج، محام في بكين متخصص في مجال الملكية الفكرية وحقوق الخصوصية، إن القانون مليء بالثغرات – قوانين تنظيمية تحكم إنشاء أنظمة التصنيف الائتماني الخاصة، وتتضمن قائمة بالبيانات التي يتطلب الموافقة عليها، لكنها لا تحدد يوضوح معنى “المعلومات الخاصة”، وليس هنالك أي قانون حول ما تعنيه كلمة “موافقة” على الإنترنت. حتى أصحاب ثورة البيانات الكبيرة في الصين يبدون غاضبين حيال الآثار المترتبة على خططهم. وانج شياولي، نائبة مدير مركز التصنيف الائتماني لدى بنك الشعب الصيني، الذي من المقرر أن يتولى إدارة نظام “الائتمان الاجتماعي” الجديد، نقل عنها من قبل وكالة أنباء شينخوا العام الماضي شجبها لانعدام الحماية القانونية على البيانات الشخصية في الصين. وتقول: “فكر في ذلك: سوف تكون المعلومات الشخصية عائمة في كل أنحاء المكان، ولا يعلم الفرد أيا منها. ألن يكون هذا أمرا مخيفا جدا”.

