Pdf copy 1

جمال جاسم أمين 
ربما وصلنا جميعا بعد مسافة من الجهد والمحاولة الى حقيقة ان رسالة التنوير لا يكفيها ان تكون حلما مأمولا او نظرية على الرف كما يقال بل هي تحتاج الى لحظة إجراء خالية من كل هذا الاستيهام او الشاعرية التي تغلّف مدوناتها. يحتاج الامر بالتأكيد الى مكاشفة اوسع وربما مراجعة حتى للتاريخ القريب او ما نسميه بـ (عصر النهضة) والسؤال الذي يبادرنا على الفور هو: الى اين ذهبت تلك المساعي وما الذي اوقفها؟. اليوم نحن نبادر الى تفجير المقولات مجددا (التنوير والتغيير وثقافة البديل) على حذر بل على قلق من ان تذهب الى المصير ذاته!. هل هناك عطالة في ثقافة المشروع؟ هل هناك خلل ما في تركيبة الطبقة الوسطى التي يراد لها ان تكون هي رائد وفضاء التحول؟. كل هذه الهواجس تلوح وبقوة حالما نفكر بتحريك الساكن.
 ما يحدث اليوم على صعد التنوير والتغيير الاجتماعي هو ان الخطاطات كثر والافكار تترى ولكن لا خطوة على الارض. يرجع البعض الى حقيقة ان علة العلل تكمن في نخبوية الافكار يقابلها ضعف واضح في ثقافة المؤسسة، وما يهمنا بالضبط هو ان نقدم كشفا يليق بالمشكلة وبالتأكيد سنحتاج الى مراجعة المبادرات التأسيسية التي خفت بريقها سريعا. اجيال من التحديثيين والتنويريين على صعد الثقافة والفن، صالونات المدن الكبيرة في العراق، الاكاديميات والبعثات العلمية التي ما زالت قائمة حتى هذه اللحظة، النقابات والاتحادات، منظمات المجتمع المدني خاصة ما بعد التغيير السياسي الاخير، روابط ومنظمات الشبيبة والمرأة، هذه العناوين وغيرها تحتاج الى فحص جدوى وفهرسة اهمية بل ومساءلة جادة لمعرفة الأثر الذي خلّفته او المأمول منها ان تخلّفه!.
ليس من المعقول ان نتحدث عن (الحقل) دون حساب (البيدر) كما يقال. ما يلفت الانتباه هو أن الجميع يتهم الجميع حتى كأننا في حفلة تنكرية لا نكاد نتبين الوجوه بدقة فنميّز هذا عن ذلك وللامانة نقول: ان البعض يدخل مثل هذه اليافطات الستراتيجية ضمن شبكة مصالحه او استثماراته الوظيفية والنقابية بينما هي مصلحة وطن ومصير اجيال ومستقبل ثقافة امة لا تتحمل المزايدة او الاستثمار النفعي. التنوير رسالة اصلاح ومقدمة لا بد منها لمتوالية التغيير، هي ليست شعارا او كلاما فائضا عن حاجة الواقع بل ان واقعنا اليوم يتأزم بسبب خفوت مثل هذه الانوار الكاشفة. نحن جميعا نسعى الى التغيير وننسى ان مثل هذا السعي لا يحدث جزافا او صدفة بل هو يحتاج الى مقدمة وعي وحراك فاعل يستند الى رؤية واضحة وهذا ما يفوتنا في الغالب. ينبغي ان نعترف ايضا ان الطريق ليس سالكا او يسيرا ما دمنا نبحث عن متغيرات او متوالية تغيير نريد لعجلتها ان تلامس الطريق، وتجارب الامم والجماعات تقدم لنا اكثر من شاهد على وعورة الدرب، لكن علينا ان نؤمن ايضا بأن هذا البعيد هو ممكن ايضا وليس بالمستحيل بل ان المستحيل هو ما نعجز عنه نحن او نتقاعس. هذه الخطاطة ليست للتسويغ او التبرير بل اننا نرى ان مثل هذا المنحى التبريري هو من ألد اعداء المشروع التنويري ولعل الاخفاقات التي رافقت اجيال التنوير السابقة كان سببها اتساع الفجوة بين رومانسية الكلمات وشحوب الأثر على الواقع او عدمه بالمرة. ما نقصده بالضبط هو ضرورة تقديم انتباهاتنا اللاذعة ومكاشفاتنا الصريحة بهذا الصدد، لا التبرير ينفع ولا خداع الذات او تمويه القصد بضجيج تنظيري لا جدوى منه بل ان المهارة اليوم هي في كيفية ربط عجلة القول بالعمل حتى لو كان بحدوده الدنيا.
– 2 – 
يذهب بنا توصيف الرسالة/ رسالة التنوير الى عبور خانق النخبوية والمشاريع الفردية التي يصعب إنقاذها من النرجسيات الذاتية او احادية النظرة التي توقعنا حتما في شكل من اشكال الادلجة او إهدار الرأي الآخر بذرائع شتى. ما مطلوب منا هو المشاركة والتفاعل لانتاج ثقافة البديل وكي لا يتخذ هذا (البديل) صورة الإزاحة او الاستثمار النفعي الذي يصوغ من شعار التغيير فرصة لتكريس ما يشاكس القصد والمسعى، فانه علينا إزاء هذا الحذر ان نحفز الاكاديميات العلمية والمؤسسات ذات الصلة برسالة المعرفة والتنوير على ان تأخذ دورها الابرز على هذا الصعيد مثلما نطالب انفسنا جميعا في ان نصبح روافد داعمة للمشروع العام. هنا من الممكن ان نجسر الفجوة بين المنظومتين، ونحوّل احلامنا الفردية الى حراك اجتماعي، بقعة ضوء يمكن ان تتسع، طاولة حوار يتمتع من خلالها الجميع بفرص متكافئة. ربما هناك وسائل اجرائية اكثر كفاءة مما كان سائدا واقصد مواقع التواصل الاجتماعي التي تتيح للجميع ان يسهم في رفد وإنضاج الافكار خاصة اذا كانت المداولات خالية من نزعة التطرف او احتكار الرأي، هذه النزعة التي لا تتلاءم مع البحث المعرفي ولا مع ادبيات الحوار الراقي لأنها تنطلق اصلا من عمى فكري وسياسي لا يتيح المشاركة التي نتوخاها ولا الفائدة التي نرجوها بل يجرّنا ومن غير جدوى طبعا الى ثقافة تنازع لا ثقافة وئام والى مزيد من الخسارة وهدر الوقت. 
ما نحتاجه فعلا هو الكشف الناضج الذي يضع القطار على السكة ويقلل مسافة التمويه واللاجدوى كي نصل الى خطاطة عمل تصلح ان تكون دليلا او خارطة طريق نحو حركة انتاج المعنى التي نتوخاها لا العودة مجددا الى متاهات العطل او خرائب الجدل التي طالما التهمت الجهود والوقت.

التعليقات معطلة