عمار السواد 
لم يرحل فائق بطي حين مات، إنما هو رحل في كل مرة تعود الصحافة العراقية الى نقطة الصفر ضمن تحولات هذا البلد السياسية. 
ثمانون عاما عمر رجل الصحافة الأقدم في العراق، بينما أقدم الصحف العراقية «الجديدة» عمرها 12 سنة، الصحفي شيخ رحل الاثنين الماضي، والصحافة العراقية الجديدة مراهقة ولدت بالأمس. هذه المفارقة تختصر تاريخنا الاعلامي، وانقطاعاتنا المستمرة، ومراهقتنا الصحفية الدائمة. 
في العراق كنا نمتلك فائق بطي الصحفي الذي ينتمي الى نهاية خمسينيات القرن الماضي، ونمتلك آخرين من عقود أخرى، لكننا لا نمتلك مؤسسة عريقة وعميقة، انما مؤسسات جديدة قابلة للسقوط باستمرار. كل انقلاب سياسي يعصف بالقديم من صحافتنا، ويأتي بالجديد… والجديد عادة ما يكون جزءاً من مشهد المتغير السياسي، يحمل اسمه وسماته، وليس اسم العراق وسماته.
 لأن هذا الوطن منذ ثورته الجمهورية الأولى يأخذ شكل النظام الحاكم عليه، وليس العكس، فالعراق هو الرمز وهو الحزب وهو الايديولوجيا وهو المرحلة، لا وجود له في ذهن الكثيرين إلا في هذه الزاوية. والصحافة رثة حالها حال الوطن.
صحافتنا ليست سيئة قياساً الى بريطانيا أو فرنسا أو الولايات المتحدة حيث قوة حرية الإعلام، هي سيئة قياساً الى بلدان إقليمية، الى مصر ولبنان مثلا. يقرأ المصريون صحيفة «الأهرام» كل صباح منذ 141 سنة الى اليوم، تغيرت الانظمة ومات الرؤساء أو قتلوا، وجاءت ايديولوجيات وانتقلت البلاد من حال الى حال ومن اصطفاف الى اصطفاف، والاهرام لا تزال هي الاهرام، مؤسسة عريقة بعراقة دولة قائمة منذ قرنين. 
وها هي «النهار» اللبنانية في عقدها التاسع تكمل مسارها في بلد النزاع الطائفي، قوية ومؤثرة، مؤسسة لم تمت بموت بمؤسسها ولا بتغييرات البلد التي هي فيه وحربه الاهلية. صحافتنا سيئة قياساً الى بلاد مجاورة من عالمنا العربي والثالث. العراق البلد الأقدم عربيا في امتلاك تلفزيون، وهو ثاني بلد إذاعي، ويمتلك في ذاكرته ثاني أقدم صحيفة عربية، ان افترضنا أن صحيفة «جورنال عراق» التي ظهرت في الربع الاول من القرن التاسع عشر ليست ضمن هذه الذاكرة، وإلا سيكون الأول. لكنه اليوم لا يمتلك تلفزيونا بتأثير المحطات العربية حوله، ولا صحيفة ينافس عبرها الصحافة العربية، ولا اذاعات بذات النشاط. ربما يمتلك «نيو ميديا» جيدة، بفعل الصحفيين الأفراد، فهناك صحفيون، جيدون، ماهرون، لكنهم أفراد. علاقتهم بالجماعات البشرية والسلطة الرابعة علاقة أفراد، وتأثيرهم كذلك تأثيرا لا يعتمد عمل المؤسسة. لذلك من الطبيعي أن لا يكون مهما تأثير الصحافة في بلدنا. لا السلطة تخافها، لأنها مدركة أن المؤسسة هي فرد يمكن التفاوض معه، لا تحسب حساباً لأي شيء آخر غير الاسماء هنا وهناك. وأغلب الاسماء لا تعتمد الإعلام التقليدي اليوم، إنما الإعلام البديل.الصحافة في العراق رجال صحفيون، وليست مؤسسات صحفية… لهذا حين يرحل فائق بطي نشعر بألم يصيب عمق ذاكرتنا، لأننا صحافة أشخاص، لا وجود لمؤسسة عريقة أو قديمة، ولا شيء يعزينا سوى بقاء رموزنا الصحفية أحياء، وإن ماتوا فقدنا العزاء.

التعليقات معطلة