هيفاء بيطار
لطالما تساءلت بأنه لو قُدر للنساء أن يحكمن العالم وأن يتخذن القرارات المصيرية في قضايا الشعوب، أما كان العالم أقل شرا عما هو عليه من حكم الرجال؟ وأظن أن كثيرين يشاركونني هذه التساؤل، لأنني أدرك أيّ نعمة هي الأمومة وأعرف الأبعاد العميقة لهذه الكلمة. ماذا لو حكمت النساء العالم؟ ألن يكون العالم أقل شرا وأكثر إنسانية؟ سؤال مستفز وليس من السهل الإجابة عليه. ولكنني حين أستعرض عدة حالات لقائدات ونساء شغلن مناصب أجد أنني أمام تحدّ حول حُكم النساء، وتسعفني ذاكرتي بصورتين واضحتين لكونداليزا رايس (التي كانت وزيرة خارجية أميركا) وتسيبي ليفني الإسرائيلية تجلسان متجاورتين توقّعان أوراقا لضمانة أمن إسرائيل والحرص على عدم دخول أيّ سلاح إلى قطاع غزة، ولم تتأثر أيّ منهن بصور أطفال غزة الجياع والمُروعين من العنف الإسرائيلي الوحشي، أطفال فلسطين الذين اضطروا لثورة الحجارة ومن بعدها ثورة السكاكين لمواجهة الظلم الوحشي الإسرائيلي، لم تتأثر المرأتان لمأساة الشعب الفلسطيني ولا لصور مجازر أطفال وشباب فلسطين وخاصة مجزرة جنين وغزة، تحضرني أيضا هيلاري كلينتون التي تطمح لا أن تكون رئيسة أميركا فحسب بل رئيسة العالم، لم أجد في سياستها أيّ رحمة أو رأفة بشعوب العالم، ولا يبدو أن كونها أمّا يبدّل شيئا من سياستها القاسية الاستعمارية تجاه شعوب العالم، والكل يعلم أنه في اليوم الذي زارت فيه ليبيا ولم تبق سوى بضع ساعات تم قتل القذافي بتلك الطريقة الوحشية الموغلة في إذلاله وإهانته، وأنا هنا لا أدافع عن دكتاتور كالقذافي لكن هيلاري كلينتون كانت راضية وموافقة على هذا العنف الوحشي. من جهة ثانية، نلاحظ إصرار العديد من النساء على المساواة مع الرجل في العنف الوحشي، ومنذ اندلاع ثورات الربيع العربي وانحراف بعضها عن مساره التنويري المقاوم للظلم، شهدنا نماذج من نساء يطالبن بالمساواة مع الرجل في العنف، وأصبحنا نشاهد زعيمات لامعات لتنظيمات نسائية إرهابية متشددة.
يمكننا أن ننكر أننا نعيش في عصر صار العنف فيه ثقافة، والمرأة مثل الرجل تتأثر بتلك الثقافة العنفية، بل المرأة تخضع لعنف مُضاعف، العنف المفروض عليها من واقع الحكم الاستبدادي في بلادها، والعنف الذكوري الذي يمارسه المجتمع الأبوي الذكوري عليها. إن ثقافة العنف لا تميز ذكرا عن أنثى، لأن العنف يصهر الجنسين في بوتقة الجنون والإجرام وغياب العقل والمنطق، فلا تُزهر سوى الأحقاد.
للأسف لن يكون العالم أقل وحشية وشرا إذا تسلمت النساء الحكم، لأن المرأة مثلها مثل الرجل ضحية سياسة وثقافة العنف، ولأن ثمة تعارضا كبيرا بين الأمومة والأنوثة وبين السلطة التي لا قلب لها ولا تعرف معنى الرحمة والإنسانية. إن نعمة الأمومة تضمر وتتلاشى أمام هوى السلطة، وإن السقوط لا يُمكن إلا أن يكون شاملا خاصة حين ينعدم الضمير والحس الإنساني.