عارف الساعدي
على غير عادته كان يُخرج صوتا قريبا إلى الصياح، يختلط فيه الغناء الهابط مع صراخ الأطفال، وما إنْ دخلتُ البيت حتى اختفى خجلا ذلك الصوت، فرحت أتتبع منبعه الذي لاذ بعيدا عني، فلم أُفلح، لذا لجأت إلى مجالس التحقيق، فقالوا لي هو صوت ولدي «حمّودي» فضحكت طويلا، وناديتُه فهرع إليَ ما بين الخجل وابن عمه، ورحتُ أتوسل إليه أنْ يُعيد ذلك المقطع الذي يشبه الصراخ في صفيح فارغ، فلم أفلح في إقناعه أبدا. بعدها رحت أستفسر عن سبب غنائه في هذه الساعات، فقالوا إنَ برنامج «ذا فويز» على قناة الـ «mbc» بدأتْ حلقاتُه بالبث، وهذه المرة متخصص بأصوات الأطفال، فأعجبتني الفكرة، واسترسلت معهم بالتواصل، وأنا مأخوذٌ بأصوات الأطفال، وهي تنشد الحياة، وتفتح الشهية على التواصل مع هذه الايام، التي لا يمكن تجرعها إلَا أنْ تكاسر معها ما يلطف مرارتها، فكانت أصوات هذه الصبية سببا مهما لإنعاش الحياة. وأنا أتابع البرنامج أخذتني موجة أسئلةٍ بعضها لا معنى لها، والبعض الآخر أظنُه يستحق أنْ نتوقف عنده، فهذه القناة المهمة هي قناة سعودية وهي تكاد تكون قناة العوائل ببرامجها الترفيهية وبمسلسلاتها المهمة لذا فهي بقنواتها المتعددة تعد قناة لأغلب العوائل العراقية والعربية حيث تدخل دون استئذان ومثل هذا البرنامج يمثل جزءا من تربية الذوق العام، وهو يتناغم مع سن مبكرة للاطفال، وبذلك تضمن حصانة لهؤلاء من أنْ يتخرجوا إرهابيين أو قتلة أو طائفيين، وهو عملٌ عظيمٌ لا شك في ذلك، بعيدا عن نوايا القائمين عليه ربحيا أو أي سببٍ آخر. القناة ذاتها تابعتُها يوم الجمعة الماضية، وإذا بها تبث برامج مهمة للغاية في محاربة التطرف والارهاب، حتى إنَ أحد ضيوف تلك البرامج واسمه «منصورالنقيدان» وهو واحد من أهم الأسماء الليبرالية في السعودية، طبعا بعد أنْ مرَ بتجربة الإسلاميين، أو ما يسمى بالجهاديين، وسُجن كثيرا، وقام بمراجعة ذاته أكثر فخرج بعقلٍ تنويري، أُجري الحوار معه وكان يدور حول الشيعة في السعودية، وحول إعدام الشيخ «نمر النمر» وكان منصور يتحدث بطريقة واضحة وصادمة للصراحة التي يكتنفها حديثه، لأنه ينتقد بشكلٍ واضحٍ الطريقة التي تُدار بها الأمور في السعودية، وطالب بتغيير خطيب وإمام المسجد الحرام، لان ذلك الإمام طالب بمحاربة «الصفويين» بشكل مباشر فكتب «النقيدان» تغريدة طالب فيها بتغييره وقال: «في الوقت الذي يطلب البابا أنْ تتعامل جميع الأديان بنفس الروحية وأن تتعايش بسلام جميعها نرى أنَ إمام وخطيب الحرمين يطالب بقتل الصفويين» وبعدها بثت القناة برامج حول إدانة بعض رجال الدين المتطرفين الذين يسخرون من المرأة، حتى صاروا مصدر تهكم للقناة ولضيوفها في ذلك اليوم.ومن باب المصادفة أني بقيت يوم الجمعة أتابع هذه القناة، حتى قامت ببث خطبة الجمعة مباشرة من المسجد الحرام، وسمعت الخطيب حتى وصل إلى الدعاء وبدأ يدعو لنصرة المسلمين في كل مكان، ولكنْ للأسف عدَد جميع المسلمين إلا العراق في حربه مع داعش، وكأنَ العراق يحارب أبناء هذا الإمام، فختل عن دعائهم، بل العكس يُخيِل إليً أنَ ذلك الإمام سيدعو على العراقيين وعلى جيشهم وشعبهم بالموت. أيُ مرضٍ وحقدٍ يحمله هؤلاء على العراقيين، وأي ذنبٍ تحمَله العراقيون لكي يموتوا كل هذه الميتات التي لا تُعدُ، والتي ــ قطعا ــ كان هذا الإمام سببا من أسبابها مباشرا أو غير مباشر حتى بنسيانه الدعاء لنا.أعود إلى قناة الـ mbc التي تصنع البهجة في لحظة وتسهم بترويج الموت في لحظة اخرى واتساءل: كيف يمكن لها أنْ تكون داعية للحياة وللموت في لحظة واحدة؟، الامر صعب جدا، ولكنه تحقق.