حازم مبيضين
بعيداً عن قولها إنها تشارك في مفاوضات جنيف بعد الحصول على ضمانات أميركية وأممية، بتشكيل هيئة الحكم الانتقالي والعمل لرفع المعاناة عن الشعب السوري، فإنه لم يكن أمام المعارضة السورية المدعومة من تركيا والسعودية، غير الرضوخ والسفر إلى جنيف، فالوفد المعارض البديل جاهز ومدعوم من موسكو، وخريطة الطريق النابعة من تفاهم دولي روسي أميركي مرسومة بدقة، حيث تدور عجلة التفاوض حول حكومة موسعة، وانتخابات يشارك فيها الأسد، وتعديلات دستورية، ومساعدات إنسانية. بعد أن حسم التفاهم الروسي الأميركي شكل المفاوضات وأهدافها التي يبدو أنها لن تتجاوز تشكيل حكومة وحدة وطنية، بدل الحديث عن حكومة انتقالية، على أن يجري العمل على إقامة حكم شامل ذي مصداقية وغير طائفي، ووضع جدول زمني وعملي لإعداد مسودة دستور جديد، على أن تجرى انتخابات عادلة وشاملة بحسبه خلال 18 شهراً، وبإشراف الأمم المتحدة.
بداية متعثرة لجنيف 3، فـبعض المعارضة لا تزال على موقفها برفض التفاوض ما لم تلبَّ مطالبها الانسانية، ومسألة المشاركين مبهمة، لأن جماعة الائتلاف ترى أنّها الجهة الوحيدة المخوّلة بالتفاوض، وقد أكد رئيس هيئتها للمفاوضات عدم دخولها قاعة المفاوضات ما لم تتحقّق مطالبها الانسانية، على الرغم من تواجدها في جنيف، واتهم روسيا وإيران والنظام بعدم السعي إلى حل سياسي بقدر ما يعملون على تأجيج الصراع في المنطقة لفرض الحل العسكري والأمني، وأشار إلى تلقيه تأكيداً من المبعوث الأممي بأن وفد هيئته سيكون الوحيد الممثل للمعارضة في المفاوضات، وأن الآخرين يحضرون بصفة شخصية كمستشارين له. يعتقد معارضون سوريون أن الحراك الدولي يستهدف فقط توحيد الجهود للقضاء على داعش وأخواتها، وليس مجرد ضربها أو مواجهتها، وهذا يتطلّب قوات برية على الأرض، والهدف هو استنفار الجميع، من النظام وحزب الله ومجموعات الجيش الحر والقوات الكردية، وكل هذا يحتاج إلى تسوية عسكرية، ما يعني أن التسوية السياسية التي يتحضّرون لها تعني إنتاج سلطة سياسية لجميع هذه الأطراف العسكرية، كي يكون هناك إدارة شكلية للقوات، وسلطة انتقالية لايعرف أحد شكلها، ويعترف هؤلاء أن النظام انتصر على المعارضة بالمعنى العسكري والميداني، ما يوجب عليها السعي للانتصار عليه سياسياً.
معضلة المعارضة أنها غير موحدة، ولا هي قادرة على تشكيل وفد ينطق باسمها جميعاً وبأهداف محددة، والمعضلة أيضاً أن عداء تلك المعارضات لبعضها يزيد على عدائها للنظام، وبذلك فإن القرار في سوريا يخضع لجهات خارجية تمول المعارضة أو تدعم النظام، وهكذا نجد أنفسنا أمام وفد تدعمه الرياض، وآخر يتلقى بركات موسكو، وثالث ترعاه واشنطن، وبين كل هؤلاء لا يغيب الظل التركي الذي يضع فيتو على بعض المدعوين، حتى أن البعض يقترح جاداً أن تكون المفاوضات مباشرة بين اللاعبين الرئيسيين، وهم أميركا وروسيا وإيران والسعودية وتركيا، لأن جنيف بشكله الحالي لن يسفر عن شيء، لانعدام أي شكل من الثقة بين جميع الأطراف، المتمسكة بشعارات غير قابلة للتنازل ولا للتطبيق. بعض العرب المنخرطين في الأزمة السورية يأخذون على واشنطن رفعها العقوبات عن إيران، والافراج عن خمسين مليار دولار كانت مجمدة، وتغض الطرف عن تجنيدها المذهبي لمقاتلين من أنحاء العالم للدفاع عن الأسد، وتتجاهل أن طهران تسعى لفرض قائمة شخصيات ومنظمات تدعي أنها معارضة، وهي جزء من النظام السوري، وبمعنى أن الأسد سيفاوض نفسه في جنيف، في سابقة فرض طرف على الطرف الآخر من الطاولة أسماء من يمثلهم، ويؤكد هؤلاء أنه حتى لو أسفر جنيف عن تشكيل حكومة مشتركة، فإن الحكومة لن تحظى باعتراف أحد بشرعيتها، خصوصا دول الخليج وتركيا، وستكون عاجزة تماماً عن وقف القتال وجمع السلاح، وإجراء مصالحات متعددة. بديهي أن تؤدي التدخلات الخارجية، إلى ما هو أكبر مستقبلاً، عندما يتعلق الامر بتعيين رئيس الوزراء وأعضاء الحكومة من أحزاب المعارضة، وذلك ما يحوّل البلد إلى رهينة لقوى خارجية، وستكون أية حكومة تقوم في دمشق مجرد غطاء للحرب الدولية ضد المتشددين الإسلاميين، وذلك ما يبرر فقدان الحماسة للمشاركة في المفاوضات التي تبدو بلا أمل، لكن المؤكد أنها ستستمر، بسبب حاجة السوريين والإقليم والعالم إلى بصيص أمل بنهاية لمأساة سوريا والسوريين، والمؤكد أيضاً أنها ستكون مديدة، لكونها ستقرر مصير منطقة ستراتيجية حسّاسة، لذلك فهي تتم شكلاً بين سوريين، في حين أنها بين قوى إقليمية ودولية، وهي ستطول في انتظار تقاطع المصالح، وحينها ستُعلن نتيجة المفاوضات حول سوريا ومحيطها الجغرافي.المعارضة السورية أمام خيارات صعبة، فإما القبول بصفقة ناقصة تنقذ البلاد من كارثة، أو مقاطعة محادثات جنيف لتتحمل مسؤولية إحباط الحل السياسي، وهي حين تتوجه إلى جنيف، فإن عليها إدراك أنها تخوض جولة أولى من عملية فيينا، وليس الجولة الثالثة من جنيف، على أن يترافق ذلك مع رؤية واضحة للمتغيرات، القائلة بأن العنصر الحاسم في سوريا هو الدور الروسي في المعارك العسكرية، وإدراك أن ما صدر عن مؤتمر فيينا هو المرجعية للعملية السياسية، أما التمسك ببيان جنيف الأول فينبغي أن يستند إلى أن تكون المعارضة في موقع الهجوم، فيما يؤشر الواقع إلى عكس ذلك، خصوصاً مع قناعة واشنطن بأن الأفضل هو البحث عن حل سياسي مع النظام، بدل المضي في الخيار العسكري. والسؤال الأخير: هل ستربح المعارضة شيئاً لمصلحة الشعب السوري، في حال حضرت هذه المفاوضات؟، إذ لم يعد السؤال هو: ماذا تخسر إذا لم تحضر؟.