بغداد / المستقبل العراقي
قال الباحث الاستراتيجي  في معهد واشنطن، فرزند شيركو، أن أمن إقليم كردستان العراق يعتمد على الاتفاقات المبرمة بين أربيل والدول المجاورة لكردستان أكثر من ارتباطه بالقدرات الأمنية والاستخباراتية الخاصة بالإقليم. فكلما شعرت القوى الإقليمية المحيطة به بأن مصالحها في خطر، لم تتردد قط في تعريض أمن الإقليم واستقراره للخطر من أجل تأمين مصالحها الخاصة. مع ذلك، فإن مصالح هذه القوى الإقليمية، والتي تتعارض بشكل متزايد مع بعضها البعض، بدأت تؤدي إلى تضخم في التحديات التي يواجهها إقليم كردستان العراق على صعيد السياسة الداخلية والأمن.
وأوضح الباحث، في بحث نشر على موقع المعهد، أن إسقاط نظام صدام حسين مهد الطريق أمام الأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية للانضمام إلى الدينامية المؤثرة على السياسات الاستراتيجية لإقليم كردستان العراق. إذ التزمت قطر والإمارات العربية المتحدة باستثمارات كبيرة تساهم في ازدهار قطاعات الطاقة والبنية التحتية في المنطقة، وذلك في جزء منه بغية الحصول على إمكانية أفضل للوصول إلى بغداد. من ناحية أخرى، أتت مشاركة المملكة العربية السعودية في الإقليم كجزء من السياسة الإقليمية لتطويق هياكل السلطة الشيعية ومواجهة النفوذ الإيراني في العراق، جزئياً عن طريق حكومة إقليم كردستان.
وأشار الباحث إلى أنه «في البداية ارتبطت المملكة العربية السعودية بجماعة «الإخوان المسلمين» في كردستان، ثم بـ»الحركة الإسلامية» في كردستان، التي كانت تتخذ من باكستان مقراً لها، في عام 1988. وهكذا حاولت الرياض في البداية السيطرة على الحركة الجهادية الكردية، من خلال توفير الدعم المالي والأيديولوجي عبر أجهزتها الاستخباراتية، من أجل انتزاع هذا النفوذ من يد الإيرانيين. وبدأت العلاقة السعودية مع الأحزاب القومية الكردية في الفترة التي تلت حكم صدام حسين. فإطاحة الولايات المتحدة بالنظام السني القمعي الذي يهيمن عليه السنة في العراق تعني أن الرياض خسرت حارس البوابة الشرقية للقومية العربية والحاجز الذي صمد طويلاً في وجه انتشار النفوذ الشيعي في العالم العربي، لذا قاربت الرياض الحركات القومية الكردية على أنها بديل له».
ووفقاً للباحث، فإن استيلاء تنظيم داعش على الموصل مؤخراً في عام 2014 أثبت أن إيران لديها تأثير ملموس في الشؤون الكردية. إضافة إلى ذلك، عندما انتقل هجوم تنظيم داعش من بغداد نحو كركوك وأربيل في آب 2014، كانت إيران أول قوة إقليمية كبرى تدافع عن إقليم كردستان. إذ صرّح جنرال بالجيش الإيراني بأن «قاسم سليماني أنقذ «إقليم كردستان» من تنظيم «داعش». وأشاد رئيس «إقليم كردستان» ورئيس وزراؤه بالدعم الإيراني، والذي قارنه الرئيس بدعم أنقرة غير الكافي.
ويرى الباحث أن أن دول الخليج العربي، وخاصة المملكة العربية السعودية، تشبه «إقليم كردستان» من حيث كونها دولاً تحكمها أسر حاكمة (وتمارس حكم الأقلية ونظام التسلسل الهرمي الاجتماعي) ويتم تمويلها إلى قدر كبير من الموارد الهيدروكربونية (أي النفط والغاز). إضافة إلى ذلك، يعتمد الجانبان على انتشار أيديولوجية السلفية المدخلية لقمع الأيديولوجيات المعارضة. وقد انتشرت السلفية الكردستانية بشكل منتظم في كردستان بعد «الربيع العربي» في عام 2011. وتدعم الرياض أربيل نظراً إلى أنهما تتمتعان بالعديد من القواسم المشتركة. من خلال دعم أربيل، لم تظهر المملكة العربية السعودية رغبتها فقط في إنشاء نظام حكم الأقلية القائم على الحكم الأسري مماثل لحكمها في المنطقة ولكن أيضاً لخلق فجوة في العراق بغية عزل إيران عن سوريا.
وأردف الباحث أنه إذا بسطت السعودية وتركيا سيطرتهما على أربيل، ستتمكنان من فرض هذه السيطرة ليس فقط على «إقليم كردستان»، بل أيضاً على محافظتي الأنبار والموصل في العراق».
وأضاف أيضاً أنه يمكن تشد السعودية وتركيا وثاق شمال العراق ووسطه وغربه تحت سيطرة تحالف 6+2 (أي دول الخليج العربي الست بالإضافة إلى الأردن وتركيا). ويمكن أن يوفر ذلك طريقاً آمناً لنقل الطاقة إلى تركيا عبر الأردن والعراق. إلى جانب ذلك، من شأنه أن يعزل النظام الإيراني عن الشيعة في وسط العراق.
وتابع الباحث أنه «في 19 آب 2015، انتهت ولاية بارزاني الممتدة في رئاسة «إقليم كردستان» وحاولت كتلة من أربعة أحزاب في المنطقة، تشمل حزبين علمانيين وحزبين إسلاميين، إخراجه من الرئاسة. لكن بارزاني وحزبه، أي «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، لم يخضعا وبدلاً من ذلك اتهما الشيعة وإيران بتشجيع الانقلاب. وفي الوقت نفسه، أعلنت وسائل الإعلام التابعة لـ «الحزب الديمقراطي الكردستاني» أن إيران تدعم تمديد ولاية بارزاني الرئاسية إلى حين الانتخابات البرلمانية الكردستانية المقبلة في عام 2017. وعندما اشترط معارضو بارزاني الحد من الصلاحيات التنفيذية الواسعة النطاق التي يتمتع بها الرئيس إذا كانوا ليسمحوا له التمديد لفترة ولاية أخرى، رفض «الحزب الديمقراطي الكردستاني» هذا الشرط. ومهد بقاء بارزاني في السلطة الطريق لسياسة كردية ذات توجه سني على نحو متزايد».
وكشف الباحث أن الملك سلمان طلب من بارزاني دعم منطقة حكم ذاتي سنية في العراق وتمرير مشروع قانون الحرس الوطني من قبل البرلمان العراقي، والذي سيسمح للعرب السنة في العراق بتنظيم قوة مسلحة تضم 100 ألف رجل، تكون تحت السيطرة المباشرة لمحافظ المحافظة بدلاً من الحكومة المركزية في بغداد. وبناءً على المعلومات المتوفرة، قد يأمل السعوديون باستخدام الأكراد مباشرة لمحاربة النفوذ الإيراني في شمال العراق وسوريا. كما وأكد الملك سلمان لبارزاني على أنه إذا نجح ذلك، ستدعم الرياض «حكومة إقليم كردستان» مالياً، للقضاء على أي حاجة إلى الاعتماد على بغداد.
واستقبل بارزاني في السعودية من قبل الملك والأمراء والمسؤولون العسكريون بطريقة غير اعتيادية، وربما كان ذلك في محاولة للإشارة إلى القوى الإقليمية بأن «إقليم كردستان» قد انضم إلى الكتلة السنية. وتابع الباحث أن معادلة جديدة تظهر تضع أربيل داخل الكتلة السنية. يمكن لهذا التحول أن يغير موازين القوى في المنطقة، ولكنه من الناحية العملية يشكل خطراً كبيراً على مشروع إقامة دولة كردية مستقلة وعلى الأمن القومي الكردي، وخصوصاً عندما تجعل القوى الإقليمية من «إقليم كردستان» ساحة لتسوية خلافاتها. على الرغم من البيان الصادر عن رئاسة «إقليم كردستان» مؤخراً والذي ينص على أن «إقليم كردستان» لن يكون جزءاً من أي من الكتل السنية أو الشيعية، إلا أن زيارة رئيس «إقليم كردستان» لمنطقة الخليج تشير إلى نتيجة مختلفة، تشكل خطراً على المصالح كما تهدد بانتقام من قبل القوى الشيعية في المنطقة.

التعليقات معطلة