كاس صنشتاين 
المتسابقون على الرئاسة الأميركية، رغم كل الاختلافات فيما بينهم، يشتركون جميعاً في صفة التفاؤل بشأن المستقبل. لكن في واحد من أهم الكتب التي صدرت في السنوات القليلة الماضية، يقدم «روبرت جيه جوردون»، أستاذ الاقتصاد في جامعة «نورث ويست»، وجهة نظر مختلفة تماماً. فهو متشائم بشأن مستقبل الاقتصاد الأميركي ويعتقد أن النمو السابق كان طفرة استثنائية مدعومة بسلسلة من الاختراعات في نهاية القرن التاسع عشر، في مقدمتها الكهرباء ومحرك الاحتراق الداخلي. ويؤكد أن الفترة بين عامي 1870 و1970 كانت قرناً خاصاً في التاريخ البشري. ويرى أن هذه الفترة لا مثيل لها ليس فقط لأنها اعتمدت على مجموعة لا تتكرر من الظروف بل لأن الولايات المتحدة تواجه حالياً أربعة رياح معاكسة لن يتم التغلب عليها بسهولة.
وأول هذه الرياح تصاعد عدم المساواة، فأي مكاسب من النمو تتركز في أيدي الذين في القمة. وثانيها الزيادة البطئية في الإنجاز التعليمي. وثالثها، العوامل السكانية التي تقلص الإنتاجية ومنها تقاعد أفراد الطفرة الولادية والمشاركة الأضعف في قوة العمل من الذين هم أقل من 55 عاماً. ورابعها تزايد الديون الاتحادية بسبب تزايد طول العمر وأعداد السكان المتقاعدين. ويجادل جوردون بأنه بسبب هذه الرياح المعاكسة ليس لدى الولايات المتحدة «مساحة للنمو على مدار السنوات الخمس والعشرين المقبلة فيما يتعلق بمتوسط ما يستطيع المرء الاستغناء عنه من دخله».
والبيانات التي يقدمها جوردون توضح أن التوقعات الاقتصادية للسنوات المقبلة في أي مرحلة من مراحل مئة وخمسين عاماً الماضية كانت طريقاً زلقاً للغاية رغم استنادها على أكثر الرسوم والأشكال البيانية تعقيداً. فعلى سبيل المثال لم يكن النمو مثيراً بشكل خاص في عام 1920 أي بعد عقود من عصر الاختراعات الكبيرة. وفي ذالك الوقت، من كان بوسعه توقع التطورات الهائلة التي حدثت من 1920 إلى 1970؟ صحيح أن الولايات المتحدة منذ عام 1970، شهدت بطئاً شديداً في النمو الاقتصادي السنوي المتوسط لكل من الشخص ولساعة العمل. لكن بيانات السنوات المئة الماضية ما كان يمكن التنبؤ بها أيضاً.
لكن ما أفضل سياسة يجب اتباعها؟ يقترح جوردون سلسلة من الإصلاحات، واضعاً نصب عينيه الرياح المعاكسة الأربعة. فكي يقلص عدم المساواة يقترح نظاماً ضرائبياً أكثر تقدمية. ولتقليص العجز في الموازنة وانبعاثات الغازات المسببة لظاهرة الاحتباس الحراري، يؤيد جوردون فرض ضريبة على انبعاثات الكربون. ولزيادة الإنتاجية والمساواة يؤيد تحسين التعليم ما قبل المدرسة.
ومعظم تلك المقترحات جيدة ولا غبار على جودتها، لكنها، كما يعترف جوردون، لن تجدي شيئاً في تحقيق النمو. وحتى لو طبقت، فمتوسط ما يستطيع المرء الاستغناء عنه من دخله سيرتفع أجزاء قليلة من الواحد في المئة. وهنا مشكلة أخرى، ففي فترة من النمو البطيء يرجح أن تضعف الرغبة السياسية في تطبيق إصلاحات جوردون المقترحة. فإذا ضعف النمو سيصعب الفوز بدعم لتقليص الإعفاءات الضريبية وفرض ضريبة على انبعاثات الكربون.
صحيح أن الاقتصاديين أكثر قدرة على تفسير الماضي من توقع المستقبل، لكن كتاب جوردون الرصين المترع بالبيانات يطرح على المسؤولين العموميين سؤالا بارزاً وملحاً. فالناخبون يحبون التفاؤل لكن الولايات المتحدة قد تعيش نمواً بطئياً غير مريح لفترة متواصلة. فما الذي سنفعله بهذا الصدد؟

التعليقات معطلة