Feature

هيفاء بيطار 
كثيرا ما أجد نفسي عاجزة عن تفسير ظواهر لا منطقية، كحصول فيلم سينمائي تافه ورديء على أعلى الإيرادات! وتحقيق أغان هابطة ولمطربين أو مطربات لا يمتّون للفن الأصيل بصلة أعلى المبيعات! وكنت أشعر بغضب وقهر من انتشار التفاهة والرداءة لدى الناس، كما لو أن هناك فنا هابطا يرسّخ وجوده وينافس الفن الأصيل. ولم أقبل أبدا بالتفسير السخيف لهذه الظواهر والمنطق السطحي المغلوط الذي يتلخص بعبارة “الجمهور عايز كده” أو أن مستوى الجماهير هابط وذوقها الفني مترد! إلى أن قرأت كتابا رائعا وهو “سيكولوجية الجماهير” لأحد أهم علماء الاجتماع وهو غوستاف لوبون الذي فسّر تلك الظاهرة تفسيرا منطقيا رائعا إذ يقول: حين ينخرط الفرد مع الجمهور يتغير وينصهر، فالنفسية الاجتماعية لفئة من الناس ليست محصّلة النفسيات الفردية لأعضائها، كما أن نفسية الجماعة ليست محصلة لمجموع نفسيات الأفراد، وبالتالي فإن مناهج التحليل النفسي الخاصة بالأفراد، لا يمكن نقلها إلى ساحات الجماعات وتطبيقها عليها. مثلا هناك أحكام عنصرية شاملة مثل: المسلم متعصّب لأنه مسلم، أو العربي متخلف وعاجز عن صنع الحضارة لمجرد أنه عربي. وهذه الأحكام العنصرية التي يُصر الغرب على نشرها تؤثر في اللاوعي الجماهيري وتجعله مُصابا بالإحباط.  وهناك علم نفس متطور هو علم نفس الجماهير، يفسر سلوك المجتمعات البشرية ككتلة، وأهم ما يُميز سلوكها أن هذه الجماهير مهما كانت ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها الجماعية فهي بحاجة لأن تخضع لقيادة، وهذه القيادة لا تُقنع الجماهير بالمحاجات العقلية والمنطقية بل بما تفرضه عليها من قوة وهيمنة وسلطة، كما أن الهيبة الشخصية للزعيم تُبهر الجماهير تماما كما يفعل الطبيب الذي ينوّم المريض مغناطيسيا. إن الجماهير التي تُعاني قهرا معيشيا، ونقصا في التعبير الحُر، وتشعر أنها مُهمّشة، ومسحوقة الكرامة، ولا دور لها في صنع القرار السياسي، الجماهير التي تشعر بالظلم وبأن ثمة فئة فاسدة ولا تُحاسب وفوق القانون وتنهب المال العام، كل هذه المعطيات والواقع القاسي والظالم، تجعل الناس يُصابون بحالة من العدمية، أي تنعدم لديهم الهمة والإرادة لتغيير الواقع، لأن حالة من اليأس سيطرت عليهم وجعلتهم مقتنعين بعدم جدوى التغيير. إن حالة الإحباط الجماعي هي ما يُسمى بالعدمية، وهي تعني أن يُمارس الإنسان القمع على نفسه فيما يُسمّي علم النفس هذه الظاهرة بجلد الذات، كما لو أن لسان حال الإنسان العدمي يقول: أنا مسحوق ومظلوم ويائس ولا أمل بتغيير ظروفي، لذا فإن ما يناسبني ويتلاءم مع قُبح حياتي هو الرداءة، هو الانتهاك لكل القيم الجميلة والراقية. لذا نجد الجماهير المُهمّشة والمغلوبة على أمرها تقف أرتالا أمام شباك تذاكر لأفلام هابطة ومُخجلة بسوقيّتها. أي عار وانحطاط وإسفاف الترويج لفيديو كليبات لمطربات أشبه بممثلات أفلام البورنو، يعرضن مفاتنهن بابتذال وإيحاءات جنسية فاقعة وصريحة ولا يتمتعن بأيّ موهبة في الصوت والأداء، لكنّهن يشتركن بهستيريا الهز والخلع والإغراء الرخيص، لكن ثمة فضائيات تروّج لهن على مدار الساعة، ولا أستثني بعض المطربين الرجال وقد أحاط كل منهم نفسه بثلة من الحسناوات شبه العاريات وأخذ يرقص بينهن كمُخنّث.

التعليقات معطلة