Feature

فيصل عبدالحسن  
على أراض منحدرة تطل على نهر أبي رقراق الذي يفصل بين مدينتي الرباط وسلا المغربيتين، تقع صومعة حسان شامخة في المكان الذي يتبرك به المغاربة ويشاركونه أفراحهم.
في الأماسي يجتمع الشباب لالتقاط الصور التذكارية فوق الأعمدة وإلى جوارها، وهم يحرصون على جعل صومعة حسان تظهر خلفهم، والتي بدأت وزارة الثقافة المغربية بحملة لترميمها مؤخرا.
وفي الساعات الأولى من الفجر تستقبل الصومعة والساحة الواسعة المطلة على نهر أبي رقراق بمدينة الرباط العائلات القادمة من حفلات الأعراس ومعهم العرسان الجدد. وهو تقليد مضى عليه زمن طويل، مجموعات من العرائس بقفاطين العرس، والعرسان بالجلابيب جاءوا للتبرك بموقع الصومعة وضريح الملوك المجاور والتقاط الصور التذكارية. وتقول الفنانة والباحثة زهرة زيراوي عن الصومعة “مسجد حسان بالعاصمة الرباط معلم تاريخي، وفن معماري تفرد في زمانه، وهو من الإنجازات الرائعة التي تحققت في عهد الدولة الموحدية.بدأ السلطان يعقوب المنصور الموحدي في العام 1197 ميلادي بناءه، وقد كان مغرما بالفن والحضارة العمرانية. وتوقف البناء فيه في العام 1199 ميلادي بسبب وفاة السلطان، وتعود تسمية الصومعة، إلى حسان الأندلسي، وهو المهندس المعماري، الذي أشرف على تصميمها و بنائها.
ويحمل البناء الذي يبدو للعيان، وكأنه سر معماري انتقل إلى هذا العصر بعد ألف عام من بدء العمل فيه، ووهبه كل هذا الاعتبار الروحي لدى الرباطيين، ليكون شاهدا ثالثا على أعراسهم وأفراحهم، ومكانا أثيرا للتبرك به”.
موقع الصومعة المميز يؤهلها لآداء دور مهم يتجاوز الدور المسند إليها حاليا فالوقوف أمامها أشبه بوقوف شعراء ما قبل الإسلام يبكون الأطلال
وتضيف الباحثة زيراوي عن أسرار الصومعة ورموزها “تتكون الصومعة من درج داخلي ملتو، يؤدي إلى أعلاها، ويمر على ست غرف زينت واجهاتها الأربع بزخارف ونقوش مختلفة على الحجر المنحوت، وذلك على النمط الأندلسي المغربي في القرن الثاني عشر”.
وهو نمط يخضع للهندسة المعمارية القادمة من الفكر الإسلامي، حسب الفنان صخر فرزات الذي يرى أن “الهندسة في الفكر الإسلامي طريق لمعرفة الصيرورة الطبيعية والكون، لذلك ارتبطت عند المسلم بعلم الفلك، وهذا الارتباط يفسر لنا علاقة العمارة الإسلامية بهذا العلم”.
وتقول عائشة المنصوري، طالبة جامعية، جاءت لالتقاط صور مع زميلة لها في المكان “الحياة مجموعة من الذكريات والصورة التي نلتقطها اليوم ستكون عزيزة علينا بعد سنة أو سنتين”.
وأضافت صديقتها “التقاط الصور قرب الأثر التاريخي يضفي على صاحب الصورة صفات حضارية، كمحب للثقافة والتاريخ، وللأسف حاولت فتاتان فرنسيتان في العام الماضي خدش هذا المعنى. واحدة منهما تدعى مارغريت سترين، وهي معروفة من جماعة فيمن للتعري، وتدعو إلى ثورة نسائية على القيود وحرية المثلية الجنسية، وصورتا لقطات لهما بصدور عارية أمام أعمدة الصومعة أثارت استنكار الكثير من المغاربة”.
ويقول الباحث الأنثروبولوجي إبراهيم أكراف، موضحا أسباب الاهتمام بالتقاط الصور في هذا المكان “ضمنت الصومعة بوصفها معلما تاريخيا وإرثا حضاريا، شهرتها بفضل وسائل الإعلام.
وهو الأمر الذي يمنح المكان سلطة على زائره، فلا يجد بدا من التقاط صورة ليعتقل لحظات فالتة من عقال الذاكرة، فيقيم الصورة حجة على وقوفه بهذا المكان كلما استدعت الضرورة ذلك”.
وأضاف أكراف أن “الصومعة أو بالأحرى ساحة جامع حسان، تشكل إلى جانب دورها السياحي والتراثي، ملاذا للعشاق حين يطوي الظلام الرباط، وهو ما يعكس نوعا من التمرد على المكان. ونحن نحتاج إلى هذا التمرد على سلطة المكان، لكن وفق سياسة ثقافية، تنتقل بنا من كائنات تراثية إلى كائنات لها تراث على حد تعبير المفكر الراحل محمد الجابري”. وعلى غرار العديد من الدول التي حولت مثل هذا المعلم إلى دافع من دوافع التنمية، بتعبير آخر ينبغي الانتقال من تحنيط التراث إلى جعله منتجا ومواكبا لحاضرنا.

التعليقات معطلة