أندريس أوبنهايمر
التوقيع الرسمي خلال الأسبوع الماضي على أكبر اتفاقية للتجارة والاستثمار في العالم -الشراكة عبر الهادي- لم يسترع الانتباه في معظم البلدان، والحال أن هذه الاتفاقية قد تبدأ قريباً في تغيير معالم الخريطتين السياسية والاقتصادية للعالم.
ولعل أحد الأسباب التي جعلت حفل التوقيع على الاتفاقية التجارية يوم الخميس في نيوزيلندا لا يحظى باهتمام إعلامي كبير، هو أنه لا الرئيس الأميركي أوباما ولا غيره من زعماء البلدان المشاركة حضروا هذه الفعالية، وإنما آثروا إرسال وزراء التجارة نيابة عنهم. فأوباما لم يشأ لفت الانتباه إلى الاتفاقية في سنة انتخابية، بينما يقول المتنافسان الديمقراطيان الرئاسيان، هيلاري كلينتون وبيرني ساندرز، إنهما يعارضان اتفاقية التجارة الحرة، لكن الأمر هنا يتعلق بموقف تقليدي للمرشحين «الديمقراطيين» الذين لا يريدون إثارة حفيظة الأنصار النقابيين المناوئين للتجارة الحرة في سنوات انتخابية، وقد سبق لكل من أوباما والرئيس السابق بيل كلينتون أن عارضا أو شكّكا في اتفاقيات تجارة حرة عندما كانا مرشحين للانتخابات الرئاسية، لكنهما سرعان ما تبنياها بعد وصولهما إلى البيت الأبيض، وأغلب الظن أن هيلاري كلينتون لن تختلف عنهما كثيراً.
وعليه، فالشراكة عبر الهادي، التي تطلبت خمس سنوات من المفاوضات وينبغي أن يصادق عليها الموقعون الكبار، لديها فرصة جيدة للحصول على موافقة الكونجرس بعد انتخابات نوفمبر، نظراً لدعم معظم «الجمهوريين» وبعض المشرعين «الديمقراطيين» لها، وستضم هذه الاتفاقية كلاً من الولايات المتحدة واليابان (ثالث أكبر اقتصاد عالمي)، إلى جانب بلدان أخرى مطلة على المحيط الهادي مثل نيوزيلندا وسنغافورة وفيتنام وكندا والمكسيك وبيرو والشيلي، ومعاً ستشكل البلدان الأعضاء سوقاً كبيرة يبلغ حجمها 800 مليون نسمة وقرابة 40 في المئة من الاقتصاد العالمي.
وتقول إدارة أوباما إن الاتفاقية ستلغي أكثر من 18 ألف ضريبة تفرضها البلدان الأعضاء حالياً على المنتجات الأميركية، الأمر الذي سيساعد كثيراً الصادرات الأميركية. ومن الناحية الاستراتيجية، ستساعد على احتواء نفوذ الصين في العالم، كما يقول مسؤولون أميركيون في المجالس الخاصة. أما في أميركا اللاتينية، فإنها ستسمح للمكسيك وبيرو والشيلي بالوصول إلى الأسواق الآسيوية بشكل أكبر، وبينما تتراجع الاستثمارات الأجنبية في أميركا اللاتينية نتيجة الركود الذي تشهده المنطقة حالياً، من المتوقع أن تسمح الاتفاقية للبلدان الأميركية اللاتينية الثلاثة الأعضاء في الاتفاقية بجذب مزيد من الاستثمارات الدولية.
وبموجب هذه الاتفاقية، سيصبح باستطاعة شركة مكسيكية تصدِّر قطع غيار السيارات إلى الولايات المتحدة، على سبيل المثال، أن تقدم للمستثمرين عائدات أكبر، إذ سيصبح بإمكانها تجميع عدد أكبر من منتجاتها في الولايات المتحدة بغرض تصديرها إلى بلدان آسيوية أعضاء في الاتفاقية بدون رسوم جمركية، ولعل هذا ما دفع كولومبيا وبنما وكوستاريكا للتعبير عن رغبتها في الانضمام إلى الاتفاقية، وبالمقابل، يتوقع أن تزيد الاتفاقية من عزلة البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وبلدان أخرى من أميركا الجنوبية، اللهم إلا إذا قررت الانضمام إليها في المقبل من الأعوام، وجميعها بلدان تضررت بسبب اعتمادها على الصين، التي أخذ اقتصادها يتباطأ.
وشخصياً، أعتقدُ أن «الشراكة عبر المحيط الهادي»، وعلى غرار لعبة الكراسي الموسيقية، ستُرغم جميع البلدان إما على إيجاد مكان لنفسها ضمن خارطة التجارة العالمية الجديدة، أو مواجهة إمكانية استبعادها من الصورة. ذلك أن التباطؤ الاقتصادي الصيني سيجعل من الصعب على مصدِّري السلع من أميركا اللاتينية البقاء خارج الاتفاقية، أو خارج تكتلات اقتصادية أخرى.