Feature

إنعام كجه جي 
لندع جانبًا أولئك الذين يتجادلون: هل يجوز الاحتفال بعيد الحب أم لا يجوز؟ وأغلب الظن أن بينهم من لن يتوصل إلى جواب وشيك. ولحسن الحظ أن عاطفة الحب لا تفرق بين البشر. وهي لا تحتاج إلى ناقلات طائرات ولا صواريخ عابرة للقارات حين تجتاح القلب وتزلزل الكيان. ولعلها من أهم المشاعر التي تضع الناس سواسية، أمامها، كأسنان المشط. ومهما برع العرب في شعر الغزل، من أيام عنترة وقيس وجميل وعبلة وليلى وبثينة ولبنى، فإن الحب ليس اختراعًا عربيًا أو احتكارًا للناطقين بالضاد. فالهندي يحب، والصيني، والأوروبي، والأفريقي، وسليل الإسكيمو الذي يستقوي على ثلوج القطب بدفء القلب. كلهم يحبون ولو لم يصدحوا مع ناظم الغزالي: «أحبك وأحب كل من يحبك». وحتى الأميركي، ذو القلب الصخر الجلمود على الشعوب المقهورة، يحدث أن يحب ويغني للحب وينتج عنه أفلامًا جميلة ويخترع للعشاق هواتف ذكية.
جربت أن أتفادى الكتابة عن «السان فالانتاين» وأتباعه ودراويشه وتُجّاره من صيارفة الهيكل. لكن خبرًا جاء من بغداد ورسالة بالبريد الضوئي عادًا بي إلى المعمعة. فبحسب تقرير قرأته أمس، تضاعفت أسعار الورد الأحمر لدى باعة الزهور في العاصمة العراقية بسبب عيد الحب. ومثله بطاقات المعايدة والدببة ذات اللون القاني. ماذا نقول سوى: حلال عليهم وألف مبروك وعوافي؟ شباب لم يعرفوا من أعمارهم الغضة غير الحرب والرعب والقفز بين شظية وشظية. يخرجون من بيوتهم إلى أعمالهم وجامعاتهم سائرين على الأقدام ولا يعرفون هل سيعودون كذلك أم على نقالة. سئمت أرواحهم مجالس العزاء واشتاقت إلى برهة فرح. وبذلك فهم أولى من غيرهم بمناسبات تبدد غسق الليل وتشرح الصدور. لم يكن غريبًا أن احتفال بغداد بالسنة الجديدة فاق احتفالات العواصم المجاورة. خرج الناس من بيوتهم بالآلاف وكسروا السكون وتحدوا القلق وابتهجوا وسهروا ورقصوا في الشوارع وتمنى كل واحد لجاره أيامًا أفضل. كانت الأماكن كلها مشتاقة للفرح وللعيش بسلام وتناسي الجدران العازلة واللافتات السود.
أما الرسالة فقد حطت في بريدي، فجر اليوم. وعرفت من كاتبها، الأستاذ السابق في جامعة بغداد، أنه كان قد تعرف على زوجته عندما كانا يدرسان الرياضيات في جامعة آيوا الأميركية، عام 1958. لم يكن غريبًا أن يتسلل الحب إلى قلبيّ شاب وشابة زميلين عراقيين في الغربة. لكنها عادت قبله إلى الوطن واستمرت المراسلات بينهما ثلاث سنوات، رسالة كل أسبوع. ولما أنهى دراسته وحانت لحظة العودة، تأجلت الرحلة يومين بسبب انقلاب عسكري في بغداد. أسمعكم تقولون: عادي. طبعًا عادي. وحين حطت الطائرة، أخيرًا، في مطار بغداد لم يجد الشاب العائد أحدًا في استقباله لأن الوقت ليل والتجول ممنوع. ماذا يفعل وليس في جيبه نقود وقد أنفق ما لديه على شراء الهدايا؟ تذكر العاشق رقم هاتف الحبيبة، وتكلم معها في بيت أهلها، للمرة الأولى، يوم كانت أرقام التليفونات لا تزيد على خمسة. هل يصعب على دكتور «طازة» في الرياضيات أن يتذكر أرقامًا خمسة سمعها عَرَضًا ذات يوم؟ قبل فترة، وصلتني منهما صورة أخذاها بمناسبة الذكرى الخمسين لزواجهما. ولم أرَ في الصورة سوى شابين جمع الحب رأسيهما على مخدة واحدة لنصف قرن. ألا يستحق البروفسور شكوري والسيدة نورية وردة حمراء في هذا اليوم؟ ليت الكل يفرح. ليت الكل يُحب.

التعليقات معطلة