Feature

 فيليب ستيفنز
هناك كثير من التأوهات. والأسوأ أنها في عواصم أوروبية والسبب هو أحدث محاولة لترسيخ مكانة بريطانيا في أوروبا. عاش شركاء ديفيد كاميرون في الاتحاد الأوروبي مع 40 عاما من حالة بريطانيا الاستثنائية، أقروا خلالها بجميع أشكال الترتيبات الخاصة، وخيارات الخروج، واستخلاص بعض الميزات، من أجل الحفاظ على البريطانيين في الاتحاد. لكن ليس هناك ما يضمن أن أحدث التنازلات ستؤدي إلى استقرار الأمور، حتى لو فاز رئيس الوزراء البريطاني في استفتاء من المقرر أن يجري مبدئيا في حزيران (يونيو).
من منظور بريطاني، الصفقة المقدمة لكاميرون من قبل دونالد توسك، رئيس المجلس الأوروبي، هي في آن واحد ليست ذات بال من الناحية الموضوعية وحاسمة من الناحية السياسية. و”رافضو البقاء” في الاتحاد الأوروبي مخطئون بشأن معظم الأمور، لكن ربما يكونون على حق في قولهم “إن الحزمة المقترحة لا تغير جذريا علاقة بريطانيا ببروكسل”. لم يكن ذلك قط موضع نقاش. أفضل ما يقال في هذا الخصوص هو أن بعض الإصلاحات تعتبر مفيدة والبقية غير ضارة. إنهم يتركون بريطانيا حتى أكثر انفصالا، لكن دون التعدي على المبادئ الحاكمة للاتحاد الأوروبي.قد تكون الصفقة رثة، لكن ما هو مهم الآن بالنسبة إلى كاميرون هو السياسة الداخلية. إن السماح لأغلبية النواب المحافظين بفعل ما يحلو لهم سيجعلهم ربما يدعمون خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ربما 70 نائبا، أو نحو ذلك، لا مجال لزحزحتهم عن رأيهم. النواب المائة الباقون – من الناحية العاطفية لا يرغبون في التكامل الأوروبي لكنهم على استعداد للاستماع – وهؤلاء هم الأشخاص المهمون. الغرض من هذه الحزمة هو توفير حجاب يمكن من ورائه إقناعهم بوضع الولاء لرئيس الوزراء وتحقيق المصلحة العامة للحزب فوق الغرائز المناهضة للاتحاد الأوروبي. الوعد بنيل الحظوة، سواء بإعطائهم المناصب أو ألقاب التكريم، أمر سيستخدم دون شك لتشجيعهم على اتخاذ القرار “الصحيح”. وحتى الآن، ونحن لا نزال في الأيام الأولى، يبدو أن التكتيك ناجح. قبل عقد من الزمان أو نحو ذلك، قبل أن يتصور أي شخص الانهيار المالي العالمي وانهيار نظام الدولة في معظم أنحاء الشرق الأوسط، بعض شركاء كاميرون في الاتحاد الأوروبي ربما كانوا سيقولون “فليذهب”. واحد أو اثنان كانا سيضيفان “وبئس المصير” في تعليقاتهم الوداعية. حتى الآن، أنجيلا ميركل، وهي حليف لا غنى عنه لرئيس الوزراء في إعادة التفاوض، تتحسر على افتقاره إلى القيادة. اقترحت عليه المستشارة الألمانية أكثر من مرة، وبشكل سري، أن يظهر بعض العزم. لماذا ينبغي لأوروبا أن تنقذ رئيس الوزراء الذي يبدو مستعبدا للقوميين في حزبه؟ الجواب، على الرغم من أنه قد يكون مثيرا للجنون، هو أن الزمن قد تغير. قبل عشر سنوات منطقة اليورو كانت لا تزال تبدو كأنها واحة من الاستقرار، وكانت بولندا والمجر وغيرهما من الدول الشيوعية سابقا، التي تتخذ الآن منحى غير ليبرالي، قد انضمت للتو إلى العلامة التجارية لاتحاد الديمقراطية الليبرالية. أما الهجرة، إلى الدرجة التي كانت تصل فيها إلى نشرات الأخبار، فقد كانت تقاس في مقابل الحاجة إلى إيجاد موظفين جدد من الشباب للقوة العاملة المصابة بالشيخوخة. الاتحاد الأوروبي الآن لا يستطيع تحمل ضربة أخرى. تم احتواء أزمة منطقة اليورو، لكنها لم تحل. موجات اللاجئين الذين يشقون طريقهم عبر بحر إيجة والبحر الأبيض المتوسط أحدثت الفُرقة بين الشمال والجنوب والشرق والغرب. الحكومات والأحزاب الراسخة في جميع أنحاء القارة هي الآن تحت الحصار من ارتفاع الشعبوية. هذه ليست اللحظة المناسبة لخسارة حتى عضو محرج مثل بريطانيا.
التلميح إلى أن التصويت لمصلحة “الخروج” في بريطانيا سيفضي إلى صعود مناهضي التكامل الأوروبي في أماكن أخرى ربما يكون من قبيل المبالغة. البريطانيون والأمريكيون، يميلون إلى التقليل من عزيمة أهل أوروبا القارية على إبقاء الاتحاد قائما: شاهد كل هذه التنبؤات الخاطئة الميؤوس منها قبل بضع سنوات من الانهيار الوشيك لمنطقة اليورو. لكن خروج بريطانيا سيسلم الراية إلى الشعوبيين المناهضين للاتحاد الأوروبي، ومن شأنه أن يضيف إلى الشعور الذي يتعزز ذاتيا بأن المشروع الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية آخذ في التفكك. الضرر لن يقتصر على هالة الحتمية التي تمتع بها الاتحاد حتى الآن بين الناخبين الأوروبيين، أو هيبته المشوهة في واشنطن وبكين، وجميع النقاط فيما بينهما. بل سيتم الشعور بغياب المملكة المتحدة.
رغم كل عادتها الخاصة باختيار الوجبات على مزاجها، إلا أن بريطانيا تتمتع بنفوذ اقتصادي وسياسي، وبموارد عسكرية ومهارات دبلوماسية سيكون عليها طلب قوي خلال السنوات القليلة المقبلة. لا، لا يمكن أن تساعد في إصلاح منطقة اليورو، لكنها يمكن أن تكون لاعبا حيويا – لا أحد يجرؤ على قول شيء خلاف ذلك، حتى لو كان زعيما – في محاولة تحقيق الاستقرار في الجوار الأوروبي. إذا ابتعدنا عن دوامة الجدل السياسي حول تدفق اللاجئين من سورية والمهاجرين من المغرب العربي، فإن المهمة في أوروبا للعقد المقبل تتحدث كلها عن نفسها. الشعور بالتهاون بعد الحرب الباردة الذي يفترض أن أوروبا لم تعد في حاجة إلى أن تكون قدوة لبقية العالم يجب أن يكون قد تحطم واختفى. على المديين المتوسط والطويل، الفوضى العنيفة على جنباتها الجنوبية والشرقية هي في الواقع تهديد وجودي للتكامل الأوروبي. ما يلزم أولا هو تغيير في العقلية: فهم أنه لا توجد حلول سريعة على شاكلة مساعدات هنا، أو تدخل عسكري هناك. ما نتحدث عنه هو مشروع دائم لعشر سنوات أو أكثر لتعزيز الأمن والرخاء. ينبغي للسياسيين البدء في توضيح هذا التحدي. الناس بحاجة إلى معرفة أن ذلك لن يُشترى بثمن بخس، لكنهم أذكياء بما يكفي لإدراك أن التقاعس عن العمل سيكون أكثر تكلفة. المكونات الأساسية تعتبر مساعدات اقتصادية مستدامة وأفضليات تجارية، والمساعدة في الأمن والحوكمة، وأحيانا في الدعم العسكري.  من الصعب أن نتخيل مثل هذه الجهود بدون بريطانيا – إلى جانب فرنسا، وهي من بين الدولتين اللتين تتمتعان بالتاريخ والآفاق والقدرة اللازمة لقيادة أوروبــــــا. هناك حاجة إليهما معا. إذا فاز كاميرون في استفتائه، فهنا ستكون فرصته للحصول على مكان في كتب التاريخ.

التعليقات معطلة