ليونيد بيرشيدسكي 
بينما أغطي حملة الانتخابات الرئاسية الأميركية للمرة الأولى، كنت أتوقع أن أؤكد الانطباع المنتشر على نحو واسع النطاق بأن المصالح والأموال والأطراف القوية التي تعمل خلف الكواليس هي من يهيمن على العملية الانتخابية. ولكن المفاجأة التي وجدتها بدلاً من ذلك هي عملية انتخابية بسيطة على رغم المبالغات والمؤامرات. ولعل أكبر اكتشافاتي هو أنه مهما جرى في الكواليس الخلفية وقاعات المؤتمرات الصحفية أو صالات التحرير، فإن الناخب العادي دائماً هو الشخصية المحورية في دراما الانتخابات الأميركية، ولذا فإن أفضل طريقة لفهم الحملات الانتخابية هي الاستماع إلى وجهات نظر الناخبين.وفي «نيوهامشير»، التقيت «كارل تويبل»، البالغ من العمر 76 عاماً من مدينة «هواردز جروف» في ولاية ويسكونسن. وقبعة «البيسبول» التي يعتمرها مزينة بمجموعة من «الدبابيس» التي جمعها بينما كان يجوب الولايات المتحدة الأميركية كي يستمع إلى المرشحين في كل دورة انتخابية. و«تويبل»، ناظر المدرسة المتقاعد، منتمٍ إلى الحزب «الجمهوري»، وقد أعرب عن فخره بأنه حضر عشرة مؤتمرات وطنية للحزب، وكان في أحد هذه المؤتمرات مندوباً. ويقول «تويبل»: «إنني مولع بالتاريخ الأميركي، وبهذه الطريقة، أحصل على مقعد في الصف الأمامي».وفي بلدي روسيا، أو في أوكرانيا حيث قمت بتغطية الانتخابات، سيبدو مثل هذا التصريح ساذجاً. فلا يوجد أي من السياسيين في هاتين الدولتين يقوم بجولات انتخابية ويتحدث إلى مثل هذه التجمعات الصغيرة في إحدى المدارس أو ردهات مطاعم «البيتزا». ولكن الاختلاف الأكبر هو أن الاستماع إلى الخطابات لن يحدث فرقاً فيما يجري حقيقة،
 لأن الانتخابات يقررها من يبرمون الصفقات، ومن يقدمون العطايا للناخبين من كبار السن، الذين يؤيدون النظام على الصعيدين المحلي والوطني، وفي النهاية أيضاً من يسيطرون على إحصاء الأصوات.ولم يعتد الناخبون في عهد ما بعد الاتحاد السوفييتي على التجول والاستماع إلى خطب سياسية، حتى في مناطقهم. فهم يستقون المعلومات من وسائل الإعلام، وبصفة خاصة التلفزيون، وفي بعض الأحيان من الصحف والمواقع الإلكترونية إذا كانوا مهتمين. ويضعون عبئاً كبيراً على الصحفيين، الذين يتعين عليهم الحصول على معلومات من داخل أروقة الحملات كي يرضوا توقعات القراء. والطريقة الوحيدة النزيهة لتغطية الانتخابات في دول مثل أوكرانيا أو روسيا هي إجراء تحقيق حولها وكأنها فضيحة فساد. وبالطبع، هناك وسائل كثيرة للتغطية، والدعاية والسيطرة على المؤتمرات الصحفية.وكان كثير من الناس حول العالم، ومن بينهم أنا حتى وقت قريب، يشكون في أن الانتخابات الأميركية تجري بالطريقة ذاتها. فالسياسيون والخبراء الأميركيون ينتقدون بشدة دور الأموال والمصالح وآلات الدعاية الحزبية والاستراتيجيات المعقدة للحملات الانتخابية. ولاشك في أن هذه العيوب موجودة. ولكن مشاهدة الحملة من موقع «تويبل» تجعل من الواضح أن العملية الانتخابية تبقى في نهاية المطاف قائمة على الأشخاص العاديين وآرائهم.
ولعل هذا هو السبب في أن خبراء السياسة المحنكين تفاجأوا مثلي بالحملات الانتخابية في 2016. وحتى أفضل مراكز استطلاع الرأي عجزت عن توقع نتيجة المؤتمرات الحزبية في «آيوا». ولا يعرف أمهر علماء السياسة والصحفيين، الذين لا تزال الحملات الانتخابية السابقة حاضرة في أذهانهم، وربما قرأوا رسائل أكاديمية، ما ستؤول إليه الأمور.وعلى سبيل المثال، فهل حل رجل الأعمال «دونالد ترامب» ثانياً في منافسات «آيوا» لأنه ذهب إلى حدث آخر بدلاً من حضور المناظرة الأخيرة؟ أم لأن مؤيديه يحبون ظهوره كمرشح ولكن ليس بما يكفي للتصويت له حقيقة؟ وهل أضر السيناتور الجمهوري «ماركو روبيو» بنفسه عندما كرر العبارة ذاتها أربع مرات في مناظرة يوم السبت؟ وهل «بيرني ساندرز» السيناتور عن ولاية «فيرمونت» سيخسر أي نقاط بسبب عدم قدرته على الإقناع فيما يتعلق بالسياسة الخارجية؟ وهل من السيئ أن وزيرة الخارجية الأميركية السابقة «هيلاري كلينتون» تبدو وكأنها تصرخ أثناء الاجتماعات في المدن؟ (وأعتقد أنها فقط ترفع صوتها بسبب الضوضاء التي يحدثها مؤيدوها، ولكن الظاهر أن هذه الضوضاء تبدو أهدأ عبر التلفزيون، ولذا توصف بصورة غير منصفة بأنها «عالية الصوت»). ولماذا لا يفضل سوى قليل من الناس الحاكم السابق لولاية فلوريدا «جيب بوش»، الذي يبدو أنه شخص جيد، أم أن استطلاعات الرأي لا تكشف الحقيقة كاملة؟ وكيف ستؤثر الإعلانات التلفزيونية على مسار الحملات الانتخابية؟
في أحسن الأحوال، ستكون الإجابة على مثل هذه الأسئلة مجرد تخمينات مثقفين، ولا يمكن الاستناد على التجارب في الحملات السابقة للمساعدة على التكهن بالإجابات. ولا يمكن لأي شخص توقع قرارات الناخبين في النهاية!

التعليقات معطلة