Feature

جانان جانيش
 
لتوضيح معضلة المؤرخ، استخدم إيه إتش كار استعارة حادث طريق. ’جونز‘ المخمور في سيارة ذات فرامل غير عاملة يدوس على ’روبنسون‘ أثناء عبوره شارعا في زاوية غير واضحة، لشراء سجائر. سبب الوفاة يمكن أن يكون قريبا بقدر قرب تعاطي جونز للشراب المسكر، أو بعيدا بقدر بعد اكتساب روبنسون عادة التدخين، مع التفسيرات التي لا تعد ولا تحصى بين الأمرين.
تحدي السببية ينتشر إلى أسئلة جديدة طوال الوقت. في مرحلة ما، سيكون على المؤرخين معرفة كيف عكست لندن تدهور ما بعد الحرب الذي استنزف ثروتها وأدى إلى تخفيض عدد سكانها إلى 6.8 مليون بحلول عام 1981. سبب الانتعاش قد يكون هيكليا بسبب موقع المدينة المركزي في العالم في الوقت الذي كان فيه عصر العولمة الكبير يتحرك. أو يمكن أن يكون دورا محددا من قوة الإنسان، مثل تحديث مايكل هزلتاين للأرصفة المتعفنة خلال فترة توليه منصب وزير البيئة في حكومة محافظة.
ربما هذا العام يمثل الذكرى الثلاثين لنقطة تحول حقيقية. في عام 1986 حدث أمران يميزانه باعتباره أهم عام في تاريخ لندن الحديث. في شباط (فبراير) من ذلك العام وقعت مارجريت تاتشر القانون الأوروبي الموحد، ما أدى إلى تعميق السوق الداخلية التي حققت منها المدينة (والحي المالي) مكاسب كبيرة. النقل المكثف لرأس المال والناس في أنحاء القارة دائما ما يثري المدينة العالمية الصديقة للأعمال التجارية، التي لديها تاريخ قديم من تملق الغرباء وجعلهم مفيدين. انتشار المطاعم الإسبانية، وقاعات التداول المليئة بالسويديين والفرنسيين، كل هذا يحدث جزئيا بسبب ذلك القانون.
بعد ذلك، في تشرين الأول (أكتوبر) من العام نفسه، الانفجار الكبير الناتج عن تحرير الاقتصاد إلى فتح المؤسسات المالية المتحجرة في الحي المالي. العمولات الثابتة وغيرها من الممارسات التقييدية أفسحت المجال أمام ثقافة عمل أكثر وضوحا تحت الإدارة الأجنبية. بورصة لندن التي تم رفع قضية مكافحة احتكار ضدها، أصبحت شركة خاصة.
وتمت استعادة هيمنة لندن بين المراكز المالية بشكل بطيء. طرق ممارسة الأعمال التجارية تغيرت خارج الحي المالي أيضا. شلال المال هز مشهد الطعام والأفق وكذلك سوق الإسكان. عدد قليل من إجراءات الحكومة الواعية كان مترابطا منذ بناء دولة الرفاهية بعد الحرب العالمية الثانية.
في هذه النقطة، قد يعترض كار أن عام 1986 كان مجرد ما يعادل مشروب جونز الأخير. عودة لندن، وارتفاع عدد سكانها لما يقارب تسعة ملايين نسمة، هو تراكم لإصلاحات وحوادث لا تعد ولا تحصى على مدى عقود من الزمن. لكن دون أكبر لحظتين في عام 1986 من الصعب رؤية المدينة تتبع هذا المسار منذ ذلك الحين.
الدليل القاطع على أهميتهما هو أننا ما زلنا نتحدث عنهما. الاستفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي هو بمنزلة برهان على الانفتاح وفقدان السيادة الرسمية التي تم تدوينها في القانون الأوروبي الموحد. التخمين الشنيع على نحو ضعيف بين المحافظين حول الطريقة التي قد تصوت بها تاتشر لو كانت على قيد الحياة، عادة ما يذكر أسفها الواضح على توقيع تلك الوثيقة. بعد 30 عاما من اليوم الذي وقعت فيه القانون جاء ديفيد كاميرون الذي كان دائم السفر إلى بروكسل لتخفيف مشاركة بريطانيا في المشروع الأوروبي.
أما بالنسبة للحي المالي، النقاش حول ما إذا كان من الممكن أن يحد من أنشطته لم يتوقف منذ الانهيار. ويبدو أن الزخم وراء إعادة التنظيم بلغ ذروته وأصبحت الحكومة تتحدث بشكل متزايد عن قيمة الخدمات المالية. لكن هذه التعديلات على السياسة والخطاب هي نفسها مثيرة للجدل.
قبل 30 عاما، بورصة لندن كانت من الآثار القديمة. الآن هي في انتظار عملية دمج مع البورصة الألمانية. مثل هذه الصفقة من شأنها أن تبدو نتيجة منطقية للانفجار الكبير، الذي سمح للقوى الخارجية بأن تحدث خللا في الحي المالي الجامد. وهكذا تتوالى أحداث عام 1986 بشكل متسلسل في حياتنا. حتى انخفاض عدد السكان توقف في الأعوام القريبة من عام 1986، حيث إن التعداد السكاني لعام 1991 أصبح الأول منذ عام 1951 الذي يسجل وجود عدد سكان أكثر في لندن مما كان في العقد السابق.
هناك شيء آخر تغير في ذلك العام. تاتشر ألغت مجلس لندن الكبرى اليساري المزعج، ما ترك العاصمة دون حكومة على مستوى المدينة لمدة 14 عاما. خلال تلك الفترة، أصبحت لندن أغنى، وأكثر امتلاء بالناس، وتوصف باستمرار بأنها المدينة العالمية، وليس مجرد مدينة عالمية من بين مدن أخرى. 
بالنسبة إلى صادق خان، من حزب العمال، وزاك جولدسميث، من حزب المحافظين، وهما المتنافسان على منصب العمدة في انتخابات أيار (مايو)، الدرس الباعث على الكآبة من عام 1986 ربما يكون عدم الأهمية المطلقة لهذا المنصب الذي يتمناه الجميع. إلى حد كبير، لندن هي على ما هي عليه بسبب قرارين استراتيجيين اتخذتهما حكومة وطنية حين كانا في سن الدراسة في المدرسة. جولدسميث هو مناهض للتكامل الأوروبي وخان ليس من المؤيدين الفطريين للمصرفيين. لكن الشخص الذي يفوز منهما يجدر به أن يعتز بالسنة الفاصلة في نهضة لندن.

التعليقات معطلة