صادق كاظم
عرف العراق بعد عام 2003 اربع تشكيلات وزارية واخرى خامسة كانت انتقالية, كان 80 بالمئة من اعضائها من حملة شهادات الدكتوراه دخلنا بهم موسوعة غينيس للارقام القياسية كأكثر دولة في العالم فسادا واقل شفافية بعد نيجيريا والصومال. في عهد هؤلاء الوزراء لم تشيد ناطحة سحاب او جسر عملاق او قطار سريع للنقل او منشأة صناعية عملاقة او سدود ضخمة تمنع عنا العطش والعوز لمنابع الجيران المتقلبين والقلقين منا. في عهد هؤلاء الوزراء ضاعت منا ثروة ضخمة تقدر بـ500 مليار دولار لم تذهب لصندوق سيادي وطني يحفظ لنا كوديعة ايام القحط والشدة. في زمن وزراء الاحزاب التكنوقراطيين لم يُصنع لنا امن حقيقي رغم موازنات امنية ضخمة فاقت 30 مليار دولار, بل خروقات ظلت تتضخم وتتزايد ومزايدات أودت بحياة اكثر من نصف مليون عراقي.
الدعوة إلى تشكيل حكومة التكنوقراط كبديل عن الحكومات الحزبية التي عرفناها خلال السنوات الماضية تأتي متأخرة, ان لم تحاصرها الأحزاب والكتل السياسية أصلا بشروطها التعجيزية ومطالبها بأن يكون التغيير خارجا من عباءتها، الامر الذي يعيد دورة الفشل والإخفاق الذي نعرفه منذ ثلاثة عشر عاما.
لم يكتب لتجربة التكنوقراط أن تبصر النور منذ البداية حين رفضت الأحزاب والكتل الفائزة في الانتخابات «تكنقرطة» الحكومة فاقتحمت الميدان الحكومي والإداري عبر جيوش الفاسدين والطارئين التي التهمت مؤسسات الدولة تحت لافتات حزبية ادت إلى تراجع مخيف في مجال الخدمات والإنتاج والعجز التام عن تطوير النظام الإداري والمؤسساتي للدولة التي تمت إدارتها بطرق حزبية وعائلية عمقت من ترهل الدولة وعجزها حتى وصلت في النهاية إلى تعريض الاقتصاد الوطني لخطر الانكشاف والانهيار وربما الإفلاس.
إصرار الأحزاب على قيادة الدولة ومؤسساتها وفق منهجها السياسي والحزبي سيؤدي حتما إلى توالي الإخفاقات والفشل وحديثها عن التغييرات الوزارية سوف لن تكون له نتائج ملموسة ما لم تتخلى هذه الأحزاب بنفسها عن هذه القناعة وتمنح رئيس الوزراء هذه المهمة والفرصة لترميم الكابينة الوزارية واستبدالها بوجوه جديدة تسمح له بتنفيذ برنامجه الحكومي وتضمن للأحزاب عودتها لتمارس دورها الرقابي فقط تحت قبة البرلمان.
مشاركة الأحزاب عبر ممثليها في الحكومة امر اثبت فشله ودوره العقيم وقاد إلى كوارث وأخطاء سياسية واقتصادية قاتلة نشهد حاليا نتائجها السيئة، وبدلا من ان تقوم هذه الأحزاب بمراجعة تجربتها الفاشلة هذه نجد أنها لا تزال تصر على ممارسة هذا الدور من دون تقدير صحيح لعواقب هذه المشاركة المتخلفة في الحكومة, بل إنها تحاول الالتفاف على محاولات رئيس الحكومة لتغيير الكابينة الوزارية تحت عنوان تكنوقراطي جديد وتصر على تكرار التجربة باخفاقاتها, بل إنها تشترط على رئيس الحكومة بأن يكون وزراء التكنوقراط القادمين من حصتها مما يعني إفراغ التغيير من محتواه وإعادة انتاج السيناريو الكارثي من جديد. اللجوء الى خيار التكنوقراط وحده ليس كافيا ما دامت الارضية التي تتحرك عليها العملية السياسية بسلبياتها المعروفة لا تزال من دون تغيير حقيقي او جوهري يمس عصب العملية نفسها، فتغيير الوجوه وحدها لن يكون مجديا, بل ان الوزير التكنوقراطي الجديد يجب عليه – إذا أراد النجاح – أن يواجه جيوش الفساد المحمية حزبيا وسياسيا والتي توغلت عميقا في شرايين مؤسسات الدولة, فضلا عن الموارد المالية الشحيحة والعوائق الامنية والسياسية التي ستلغم طريق الاصلاح الذي سيسير فيه الوزير التكنوقراطي. العنوان وحده ليس دليلا على امكانية النجاح او الممر الآمن اليه، فالحكومات السابقة والحالية ضمت العديد من الوزراء من حملة الشهادات العالية وبعدد يفوق عدد الوزراء من نفس المستوى التعليمي خلال العقود السابقة التي كانت تضم وزيرا واحدا او وزيرين من حملة شهادات الدكتوراه او الماجستير، ومع ذلك فان الاخفاق والفساد الاداري والمالي ظل مرتفعا في اروقة وممرات الوزارات التي يديرونها من دون ان تضفي هذه الشهادات والدرجات العلمية أي تغيير ملموس فيها. التغيير يحتاج الى ارضية ومناخات تهيئ للنجاح من دون الحاجة الى سلوك ممرات جانبية للوصول الى ضفة النجاح، فقبل الحديث عن مبررات وأسباب تشخص الخلل والاخطاء وتعترف بوجود فساد عميق متغول في داخل الدولة ومؤسساتها ينبغي ان يتحمل الجميع المسؤولية وخصوصا الكتل والاحزاب المؤتلفة في الحكومة والتي تقف وراء هذا الخلل, اذ ان عليها ان تقدم تضحيات او تنازلات حقيقية شجاعة تحسب لها في هذا الظرف الصعب والدقيق لتعالج الوضع الخدمي الحكومي وتراكمات الفساد واضراره التي نعاني منها منذ سقوط النظام السابق عام 2003. العودة الى خيار تقليص الكابينة الحكومية وكسر تقليد المشاركة الحزبية فيها حل وخيار ضروري لا بد منه بعد ان مللنا من رؤية وزراء حزبيين لا يغيرون شيئا ويغادرون مناصبهم اما منسيين او متهمين.