فيصل عبدالحسن 
اشتهرت البصرة منذ القديم بحلوياتها المتفردة النكهة والمذاق، ولفرط تفردها، فإن الكثيرين يقصدونها من أمكنة بعيدة لشراء هذه المنتجات التقليدية ونقلها إلى عدة بلدان أخرى مثل الكويت القريبة أو بغداد وإلى المحافظات الشمالية. ومن هذه الحلويات ما هو ذائع الصيت وشهير في الأوساط الشعبية البصرية كحلوى”الهيس” وتعتبر عماد الاستخدام اليومي لكل أسرة بصرية خصوصا في فصل الشتاء البارد.
وجاءت تسميتها بمعنى “أخذ الشيء بكثرة” وقيل إنها استخدمت أيضا لتعني تنقية التمر من النوى، وسحقه بآلة لجعله عجينا. وتلا الهيس في الأهمية حلاوة “نهر خور”، نسبة إلى نهر خوز في أبي الخصيب، والتي يعتمد في صناعتها على الدبس والراشي، وكذلك حلويات “عصير السمسم” التي تسمى في الدول العربية بالطحينية، وهي أغلى سعرا وتباع في الأغلب للوافدين من خارج المدينة.
وهناك أنواع أخرى كحلوى صفائح المعسل وجوز الهند، ومعظم هذه الحلويات يعتمد صانعوها على نوعيات من التمر كالبرحي والبريم والساير والخستاوي والخضراوي والحلاوي والزاهدي، ولأن الكثيرين من أهل أبي الخصيب نزحوا إلى الأقطار العربية كالأردن وسوريا والجزائر والمغرب وإلى المنافي الأوروبية منذ التسعينات، فقد حملوا معهم عاداتهم من طعام وشراب وحلوى وما تعلموه إلى هذه البلدان.
وتقول أم عمر، وهي أصيلة منطقة أبي الخصيب بالبصرة، وتقيم في الدار البيضاء بالمغرب منذ عشرين عاما، إنها تحرص في كل سنة على عمل الهَيْس لعائلتها بالمواصفات التي كانت تعملها أمها رحمها الله في السبعينات في مدينتها آنذاك. زوجها وأولادها الثلاثة يفرحون بالهَيْس الذي تصنعه بداية كل شتاء للعائلة، فهو خير حلوى وطعام أيضا مثلما يقول محمد الطالب أصغر الأبناء، وهو يفضله على أي لمجة تعدها له أمه عند ذهابه إلى المدرسة، فيصطحب كرتين من الهَيْس أو ثلاث في علبة الطعام، وهي تعينه على تحمل الجوع خلال ساعات الدروس.وتحرك أم عمر يديها باستحياء عندما يسألها شخص ما عن كيفية عملها لهذه الحلوى المميزة، ويسألها، لماذا الهَيْس دون غيره من الحلوى المغربية، التي تمتلئ بها محلات الحلوى الجاهزة في الدار البيضاء؟ فتجيب أم عمر قائلة “إنها لا تصنعه كما كانت تعمله أمها في أبي الخصيب، فقد كانت تضيف إليه القليل من الدهان الحر، الذي يعطيه نكهة خاصة. وتضيف “لقد جربتُ السمن البلدي المغربي، لكنه للأسف لا يعطي المذاق ذاته، الذي لا زلت أتذكره جيدا في الهيس الذي تصنعه والدتي ولا يزال طعمه في فمي.. فمنذ أن وفدنا إلى هذه المدينة وجدت أن معظم الحلوى مصنوع من المعجنات وكميات كبيرة من السكر، والألوان والمواد الحافظة وأغلبها مؤذ للصحة، خصوصا حين يكون الأولاد في عمر مبكر، وكنت أرى الحالات العدوانية، التي تظهر على سلوكياتهم بسبب المواد الملونة التي تضاف إليها لتكسبها نكهة معينة”.
وتوضح أم عمر أن “الأطفال عندما يتناولون هذه النوعية من الحلويات فإنها ستسد شاهيتهم عن تناول الطعام الذي أعده لهم، لذلك فكرت بالحلوى المُغذية التي كانت تعدها أمي لنا حين كنا أطفالا. وكانت الحاجة فاطمة والدتي تعمل لنا الهَيْس في أبي الخصيب من تمر الساير أو الخستاوي وتضيف إليه الراشي والطحينية والجوز (عين الجمل) والسمسم وحبة الحلوى والقليل من الدهان الحر. وتحرص على وضع سبع فردات من التمر في كل كرة من الهيس، لأنها تتّبع السنّة النبوية التي أوصت بأكل العدد الفردي من التمر، لما في العدد الفردي من بركة وكذلك لأنه يمنع تأثير الحسد طوال اليوم لمن يتناوله”.

التعليقات معطلة