كارولا هويوز
في أحدث ترقية لنظامها، أضافت «أبل» ما سمته «نوبة الليل» Night Shift إلى أجهزتها، ما يجعل من الممكن تعتيم الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة، الذي يحدث اضطرابا في ساعتنا البيولوجية ويبقينا نعمل ونلعب فترة طويلة بعد موعد النوم.
كثير من المستخدمين والمراجعين أشادوا بهذا التطور أواخر الشهر الماضي وقالوا «إنه يشكل فتْحا بالنسبة إلى جيل ملتصق بالهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر اللوحية». وقال معلق التكنولوجيا، بريان تونج، الذي ينتقد «أبل» دائما «إن كانت هناك أي ميزة جيدة قدمتها الشركة، فهي نوبة الليل. ذلك الضوء الأزرق، إنه يعبث معك». أظهرت الدراسات أن الضوء الأزرق الاصطناعي في الواقع «يعبث» بالإيقاعات لدينا، ما يزيد خطر التعرض للأمراض المتعلقة بالتعب والإرهاق، مثل السكري وأمراض القلب والاكتئاب والسرطان.
وفي الأسبوع الماضي نشرت الجمعية الملكية للصحة العامة وجامعة أكسفورد تقريرا يحذر من أن ما يقارب نصف البريطانيين يواجهون خطر التعرض لأمراض مزمنة، لأنهم عموما لم يكونوا يحصلون على كفايتهم من النوم – على الرغم من أن الباحثين لم يتطرقوا إلى موضوع اضطرابات النوم بسبب الضوء الأزرق على وجه التحديد.
خلال معظم مراحل التطور البشري كان الضوء الأزرق يأتي فقط من الشمس، إلا أنه الآن ينبعث من الأجهزة التكنولوجية، مثل أضواء «إل إي دي» LED، والأجهزة اللوحية، وأجهزة التلفاز.
ويأخذ اليابانيون الآثار الجانبية السيئة لهذا الضوء على محمل الجد، بحيث تقول شركة جينس JINS للنظارات «إنها باعت، منذ إطلاقها قبل خمس سنوات، ستة ملايين نظارة تقلل من الضوء الأزرق بنسبة تراوح ما بين 25 و60 في المائة».
وتحاكي «نوبة الليل» التي قدمتها شركة أبل، ومنافسها السابق نظام أندرويد إف لوكس، وقت النهار عن طريق تغيير لون العروض بشكل تدريجي حتى الطرف الأكثر دفئا في الطيف. وتقول شركة أبل «إن نوبة الليل ربما تساعدك في الحصول على نوم أفضل في الليل».مع ذلك، هل قدمت الشركة حقا لمستخدميها الذين يزدادون شعورا بالإرهاق، البالغ عددهم مليار مستخدم، فتحا جديدا؟ لدى كل من العاملين في مجال البصريات ومختصي النوم وعلماء الاجتماع شكوكهم حول هذا الموضوع.يقول جيفري جودفيلو، الأستاذ المساعد في كلية إيلينوي للبصريات، «إن العلماء يدركون أن الضوء الأزرق يؤثر فينا، لكنهم غير متأكدين من كيفية حدوث هذا التأثير». و»أبل» لا تكشف الكثير عن موجات الضوء التي يتم التخلص منها، وكيف يتم ذلك. ويتساءل البروفيسور جودفيلو «كم مقدار الضوء الأزرق الذي يتعين على نوبة الليل القضاء عليه ليكون هناك أثر»؟ ويضيف «لا أعرف ما إذا كانت نوبة الليل تستند إلى بيانات علمية أم أنها مجرد أمر يقوم على بعض الأقوال».
وعند الضغط عليها لإعطاء تفاصيل تتعلق بأطوال الموجات والتفسير العلمي والعلماء الذين يقفون خلف التكنولوجيا الخاصة بها، رفضت «أبل» تجاوز عبارتها التي تقول «إن نوبة الليل «ربما» تساعدنا في الحصول على نوم أفضل ليلا». وحتى لو استطعنا تخليص أجهزتنا فقط من الحجم والنوع الصحيح من الضوء المزعج، ربما لن نتمكن من حل مشكلة النوم لدينا، بحسب البروفيسور جودفيلو الذي يقول «ما يمكن أن يبقينا بالفعل مستيقظين هو أننا نعمل على إشراك الدماغ، وعندما نغلق الجهاز يكون الدماغ لا يزال يعمل».
ويقول مختصو الصحة «إن أفضل طريقة لتجنب تدخل الأجهزة في النوم هي التوقف عن استخدامها قبل الخلود إلى النوم».
وقد أدى الاهتمام المتزايد بالضوء الأزرق إلى إثارة تساؤلات اجتماعية أيضا: هل تتعدى الحياة العصرية على مسألة النوم، وهل تجعلنا التكنولوجيا نعمل حتى وقت متأخر من الليل؟ بالنسبة إلى بعضهم يبدو الوضع كذلك تماما.
تقول البروفيسورة جودي واجكام، مؤلفة كتاب «مضغوطون بالوقت .. تسارع الوقت في الرأسمالية الرقمية»، «لا يمكنني القول إننا ننام أقل مما كنا ننام قبل 100 عام، أو أن نومنا الآن مجزأ أكثر. هذا فقط ما يقوله الناس». وتشير إلى أننا ربما ننام على نحو أقل جودة، لكن البيانات لا تؤيد وجهات النظر التي تقول «إننا نعمل أكثر وننام أقل من أجدادنا».
يعرف العلماء أن الضوء الأزرق له تأثير فينا – لكن ليست لديهم المعرفة الكافية بشأن كيفية حصول ذلك.ووفقا لمنظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة، انخفضت ساعات العمل بشكل مطرد منذ الثورة الصناعية، ولا سيما في البلدان المتقدمة حيث تقلصت بواقع الثلث تقريبا. مع ذلك، يظهر استبيان أجرته «يورو فاوند» عام 2015، شمل نحو 36 ألف عامل، أننا نعتقد أن العمل يتعدى على وقت الفراغ لدينا. وتبدو التكنولوجيا بأن لها آثارا كبيرة في عملنا وفترات استراحتنا، لكن الدراسات الأكاديمية التي تبحث في مدى صحة ذلك لا تزال في مستوى أساسي إلى حد ما. وللمرة الأولى، ضمّن مركز بحوث استخدام الوقت، وهو جزء من قسم علم الاجتماع في جامعة أكسفورد، استخدام التكنولوجيا في المسوح التي يجريها بانتظام والمتعلقة بكيفية قضاء الناس أوقاتهم. وحتى إن كان البحث الأخير للمركز، المتوقع نشره قبل الصيف، يُظهِر أن الناس يستخدمون أجهزة الآيفون قبل الخلود إلى النوم، فإن المشكلة ليست في التكنولوجيا، بحسب ما تقول البروفيسورة واجكام – بل فينا نحن. نحن نختار أن نكون مشغولين لأن الانشغال اليوم مرتبط بالمكانة العالية، بحسب ما تقول. الأشخاص الوحيدون في البلدان المتقدمة الأكثر تعرضا لضغط الوقت حقا – والاقل نوما – من آبائهم وأجدادهم هم الأمهات العاملات، بحسب واجكام. «إذا شعرنا بضغط الوقت اليوم، فسيكون السبب ليس في التكنولوجيا إنما بسبب الأولويات والمقاييس التي نضعها نحن أنفسنا».
يمكن أن تكون البداية في إطفاء الهاتف الذكي مع غروب الشمس، والتوقف عن استخدامه بعد مغيبها.

